آخر تحديث :الأحد-09 أغسطس 2026-06:49ص

اليمن والتحالفات الإقليمية الجديدة: من جغرافيا الصراع إلى شراكة في صناعة الاستقرار

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 02:41 م
محمد سالم مجور


تعيش المنطقة مؤخرًا تحولات استراتيجية متسارعة ناتجة عن الصراعات التي تمر بها، وفي مثل هذه اللحظات لا تُعاد صياغة الخرائط بتحريك الحدود، بل بإعادة ترتيب المصالح وموازين القوة وشبكات الثقة بين الدول،

وما يجري اليوم في ممرات الملاحة الدولية، من البحر الأحمر وباب المندب إلى الخليج ومضيق هرمز ليس ضجيجًا عابرًا في هامش الإقليم، بل مؤشر على بيئة أمنية جديدة تعيد فيها الدول حساباتها، وتبني شراكاتها وأدواتها وفق واقع أكثر تشابكًا وأشد حساسية.


وفي قلب هذا المشهد يقف اليمن في صميم جغرافيته ويطل من ضفته الشرقية على باب المندب، حيث تمر آلاف السفن سنويًا على مرمى البصر من سواحله، تحمل نفط العالم وبضائعه وقلق أسواقه.


والمؤسف أن اليمن لم ينجح بعد في تحويل هذا الحضور البحري الهائل إلى وزن مؤسسي يوازي قيمة موقعه، حيث تمتد سواحله على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب في مسافة تكفي وحدها لتجعل منه بوابة لا يمكن تجاوزها.

وفي الحقيقة فإن الجغرافيا وحدها، مهما بلغت قيمتها، لا تمنح صاحبها النفوذ تلقائيًا فهي بطبيعتها طاقة كامنة لا تتحول إلى قوة إلا حين تسندها الدولة بالرؤية الاستراتيجية والمؤسسات القادرة على مواكبة تلك التحولات.


ومن خلال قراءتنا لمشهد النظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم، نرى أن هناك فرصًا ضائعة في ظل هشاشة مؤسساتنا ويجب المسارعة إلى تصحيحها ،ولنعلم أنه لن يُنظر إلى أهمية اليمن بموقعه على الخارطة بل بقدرته على تحويل هذا الموقع إلى وظيفة استراتيجية يحتاجها الإقليم.

وهنا تكمن اللحظة الفارقة، فالتحالفات والترتيبات الأمنية التي تتشكل حول اليمن لا ينبغي أن تُقرأ كأحداث تمر من فوق رأسه، بل كنافذة لإعادة تعريف موقعه داخل معادلة الأمن الإقليمي.

ولقد كشف اضطراب الملاحة في البحر الأحمر حقيقة باتت أكثر وضوحًا: أن( أمن الطاقة واستقرار الملاحة الدولية وأمن الجوار واستقرار اليمن) لم تعد ملفات منفصلة، بل حلقات متصلة في معادلة استراتيجية واحدة.

ومن هنا فإن السؤال اليمني الذي طال طرحه بصيغة: من سيحمينا؟ يحتاج اليوم إلى سؤال أكثر نضجًا: ماذا نملك لنقدمه كشريك في صناعة الأمن والاستقرار، لا كطرف ينتظر أن يُصنع له الأمن من الخارج؟


وهذا التحول ليس ترفًا لغويًا بل ضرورة استراتيجية ، فاليمن يمتلك الموانئ والسواحل والمؤسسات البحرية والأمنية، ويمتلك فوق ذلك أصلًا لا تستطيع أي قوة خارجية استيراده أو استنساخه وهو : (المعرفة المحلية بالأرض والبحر والمجتمعات الساحلية) وتلك المعرفة التي تراكمت عبر أجيال من التماس اليومي مع الساحل فهي لا تُكتسب من تقرير ولا تُشترى بعقد.

والتحدي الحقيقي هو تحويل هذه الأصول إلى قدرة وطنية متماسكة: مؤسسات بحرية أكثر جاهزية ،وصورة معلوماتية أكثر تكاملًا، وموانئ وسواحل أكثر أمنًا، وقدرة وطنية تستطيع العمل مع الشركاء لا الاعتماد عليهم.


وهذه القدرة لا تُبنى بالشعارات بل بمؤشرات يمكن قياسها: جاهزية الرصد الساحلي، وسرعة الاستجابة للحوادث، وأمن الموانئ، وعدد الكوادر الوطنية التي تُبنى قدراتها عامًا بعد عام.


فالفارق بين خطاب يطلب الدعم وخطاب يعرض شراكة هو أن الثاني يقدم مسارًا يمكن التعاطي معه، ومن رحم هذه القدرة يمكن بناء شراكات مختلفة.

ويجب أن يتحول المسار تدريجيًا مع المملكة العربية السعودية من إدارة الأزمة اليمنية إلى الاستثمار في الإمكانات البشرية والقدرات اليمنية؛ لأن كل قدرة تُبنى داخل اليمن لحماية سواحله وموانئه ومكافحة التهريب والجريمة البحرية هي في الوقت نفسه استثمار في أمن الجوار واستقرار البحر الأحمر.

بل وهناك فرصة لليمن ليكون شريكًا دوليًا فاعلًا، وأن يختار بين هؤلاء الشركاء بدقة ومن منطلق: (ماذا يريد من كل شريك، وماذا يستطيع أن يقدم له في المقابل).


إن ما يحتاجه اليمن اليوم هو هندسة التكامل حول أولوياته الوطنية، بحيث تتحول الخبرة والتمويل والتقنية والاستثمار الخارجي إلى قدرة تبقى داخل مؤسسات الدولة، مقابل ما يقدمه اليمن من جغرافيا ومعرفة محلية وشراكة مؤسسية تخدم استقرار الإقليم وممراته الحيوية.


واستغلال الوقت مهم جدًا، فهو تفصيل مهم في هذه المعادلة، فالترتيبات الأمنية التي تتشكل اليوم ستنتج غدًا قواعدها وشبكات معلوماتها وقنوات التنسيق بينها وأولويات تمويلها وبناء قدراتها ،ومن يدخل مرحلة التأسيس شريكًا ليس كمن يصل بعد اكتمال البناء طالبًا موقعًا فيه، فهذه هي اللحظة التي تُصاغ فيها القواعد وتُبنى شبكات الثقة وتتحدد الوظائف، ومن يغِب عن طاولة التأسيس قد يجد نفسه لاحقًا أمام ترتيبات صاغها الآخرون وفق مصالحهم.


ومن خلال مقالنا هذا، فإننا نلفت نظر الحكومة اليمنية إلى ضرورة التحرك برؤية واضحة تقدم اليمن باعتباره شريكًا استراتيجيًا قادرًا على إنتاج جزء من الأمن والاستقرار الذي تحتاجه المنطقة.

فالخطر الحقيقي ليس أن تتغير المنطقة من حولنا، بل أن يُعاد تشكيلها بينما نظل نحن حاضرين بالجغرافيا، غائبين عن صناعة المعادلة.

اليمن يملك اليوم واحدة من أثمن أوراق هذا الإقليم وهي :( الجغرافيا) ، وما يحتاجه فقط هو رؤية وإرادة تحولان الجغرافيا إلى قدرات ملموسة وفاعلة، وتحولان القدرات إلى مصالح مشتركة، والمصالح إلى شراكات راسخة وستكون هي نقطة التحول التي ستنهض ببلادنا في جميع المجالات الأخرى التي نتطلع إليها.