تاريخ المدن ومستقبلها لا يصنعهما كثرة البيانات ولا ازدحام المنابر، وإنما تصنعهما قدرتها على إنتاج «عقل سياسي» يقرأ موازين القوى، ويدرك شروط التأثير، ويحوّل المصالح إلى سياسات وأدوات فعل. وحين تغيب هذه القدرة، قد تتكاثر الواجهات وتتعدد الأصوات، من دون أن يتحول هذا التعدد إلى وزن سياسي حقيقي. وفي الحالة العدنية، تبرز مفارقة تستحق التوقف: فكثرة المتحدثين باسم عدن لم تنتج، بالقدر المأمول، صوتاً سياسياً أكثر فعالية، كما أن اتساع الحضور الإعلامي لم يتحول بالضرورة إلى نفوذ مؤسسي أو قدرة فعلية على التأثير في مسارات القرار.
ومن منظور الواقعية السياسية، لا تُقاس قيمة أي كيان بعدد بياناته أو اجتماعاته أو حضوره في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وإنما بقدرته على تحويل أهدافه إلى مصالح محددة، وأولويات قابلة للتنفيذ، وسياسات واضحة، وأدوات تأثير وتفاوض فاعلة. فالسياسة ليست إنتاجاً للخطاب فحسب، بل هي إدارة للمصالح والقوة والموارد والفرص والمخاطر في بيئة تتغير فيها موازين القوى باستمرار. ولذلك فإن رفع سقف المطالب من دون بناء الوسائل القادرة على تحقيقها يجعل الخطاب، مهما كان قوياً، محدود الأثر في الحسابات السياسية الفعلية.
ولا تكمن المشكلة في تعدد الآراء؛ فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدراً للبدائل والإثراء متى انتظم داخل قواعد مؤسسية واضحة. المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد إلى تشظٍّ، ويتحول الاختلاف إلى تنافس على الصفات والواجهات والتمثيل. عندها يصبح السؤال: «من يمثل عدن؟» أكثر حضوراً من السؤال الأهم: «من يستطيع حماية مصالح عدن وتحقيق نتائج ملموسة؟». وهنا قد يصبح الظهور الإعلامي بديلاً عن الفعل، والبيان بديلاً عن المبادرة، والاجتماع غاية في ذاته بدلاً من أن يكون وسيلة لصناعة قرار.
ولهذا تفرض الواقعية السياسية أسئلة مباشرة: ماذا تحقق فعلياً لعدن؟ وما القرارات أو المشاريع أو السياسات التي أمكن التأثير فيها؟ وما الأدوات التي جرى بناؤها للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والإدارية والسياسية؟ وما مستوى القدرة على التفاوض مع مراكز القرار والقوى المحلية والإقليمية والدولية؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف إقصاء أحد، وإنما تضع معياراً ضرورياً للتمييز بين التمثيل الرمزي والقدرة السياسية الفعلية.
ولا تعني الواقعية التخلي عن الأهداف أو خفض الطموحات، وإنما تعني التمييز بين مشروعية الهدف وإمكانات الوسيلة. فالمشروع السياسي لا يصبح أكثر واقعية بالتراجع عن أهدافه، بل ببناء الأدوات التي تجعله قابلاً للتحقق. ومن هنا ينبغي أن تنتقل الأولوية من الصراع على صفة التمثيل إلى بناء القدرة السياسية والمؤسسية التي تجعل مصالح عدن حاضرة ومؤثرة في معادلات القرار المحلي والإقليمي والدولي.
وتشمل هذه القدرة إنتاج المعرفة والبيانات الموثوقة، وإعداد الدراسات وأوراق السياسات، وصياغة البدائل القانونية والتشريعية، وبناء العلاقات المؤسسية، وتطوير أدوات التفاوض، وتقديم رؤى اقتصادية وإدارية قابلة للتطبيق، وامتلاك خطاب يمكن الدفاع عنه بالوثائق والأرقام والحجج القانونية والتاريخية. ولا يمكن بناء موقف عدني مؤثر من دون قراءة دقيقة للبيئة المحلية والإقليمية والدولية التي تتحرك فيها عدن، وفهم مصالح القوى الفاعلة وتقاطعاتها، وتحويل هذه المعرفة إلى قدرة تفاوضية وسياسية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق تعدد الواجهات إلى منطق الكيان العدني الجامع؛ لا بوصفه كياناً جديداً ينافس الكيانات القائمة، وإنما بوصفه إطاراً مؤسسياً ينظم التعدد ويستوعب مختلف الرؤى والمكونات والشخصيات. ولا يعني ذلك إلغاء الاختلاف أو مصادرة حق أي طرف في الاحتفاظ برؤيته، بل الاتفاق على مساحة من المصالح الاستراتيجية المشتركة، وترك القضايا الخلافية للحوار المؤسسي وفق قواعد واضحة للمشاركة وصنع القرار والمساءلة.
وينبغي أن يبدأ هذا الكيان من تحديد أولويات عدن، وإعداد ملفاتها بالمعرفة والوثائق، وتحويلها إلى برنامج سياسي واقتصادي وإداري قابل للتنفيذ، ثم بناء أدوات تفاوض وعلاقات مؤسسية تمكنه من الدفاع عنها. فالغاية من الوحدة السياسية ليست تحقيق مظهر أكثر تماسكاً، وإنما إنتاج قوة تفاوضية وتأثير مؤسسي وقدرة فعل حقيقية.
وفي المحصلة، لا يكمن التحدي أمام الكيانات العدنية في إثبات حق كل طرف في الحديث عن عدن، وإنما في إثبات قدرة هذا الحديث على إنتاج أثر. فنجاح المشاريع السياسية لا يُقاس بكثرة البيانات والصور والاجتماعات، وإنما بما تتركه من سياسات، وقرارات، ومؤسسات، ومصالح محمية، ووقائع جديدة. وإذا ظل التنافس منصباً على الواجهة والشخصنة والصفة والموقع، فإن التعدد قد يتحول إلى مصدر ضعف. أما إذا انتقل التنافس إلى الإنجاز والكفاءة والقدرة على حماية المصلحة العامة، فإن التعدد يمكن أن يصبح مصدر قوة، وتنتقل الحالة العدنية من التشظي إلى تعددية سياسية منظمة داخل كيان عدني جامع، قادر على إنتاج موقف أكثر واقعية واتزاناً وتأثيراً، وتحويل هذا الموقف من خطاب سياسي إلى قوة فعل حقيقية.