آخر تحديث :الأحد-09 أغسطس 2026-06:49ص

الدولة الاتحادية وإدارة المحافظات بأبنائها طريق الخلاص

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 01:20 م
عبدالكريم الدالي


إن البحث عن مخرج حقيقي وجذري للأزمة اليمنية المعقدة يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية والمسكنات المؤقتة، والذهاب مباشرة إلى جوهر المشكلة. ومن خلال القراءة الواعية للواقع اليمني تتبت أن الحل المستدام للأزمة اليمنية يكمن في التوافق على تأسيس دولة اتحادية عادلة ، هذه الدولة يجب أن تمنح كل محافظة حقها في الإدارة الذاتية لشؤونها المحلية ، وتعتمد بشكل أساسي على أبناء تلك المحافظات لحفظ أمنها واستقرارها ، إن هذا التحول الهيكلي هو الكفيل بإنهاء دوامة الصراع الدامي ، ووضع اللبنات الأولى لبناء مستقبل مستقر ومزدهر للأجيال القادمة . .

لقد عانى اليمن كثيرا على مدى عقود طويلة من هيمنة المركزية الشديدة وحصر سلطة القرار السياسي والاقتصادي في العاصمة ، ولم تكن هذه المركزية مجرد نظام إداري، بل تحولت إلى أداة لإنتاج الأزمات حيث أدت إلى التهميش الإقصائي وحرمان بقية المحافظات من حقها الطبيعي في المشاركة السياسية وصناعة القرار ، وغياب التنمية العادلة فكان تكديس المشاريع والخدمات في المركز على حساب المحافظات الأخرى ، مما خلق فجوات تنموية واقتصادية هائلة بين المحافظات .

كما أن هيمنة السياسات المركزية تتسبب في تآكل حضور الدولة ، واختزال مؤسساتها في نخب ضيقة ، مما يفقدها الثقة الشعبية ، والعجز عن استيعاب الخصوصية مما يكون سبب إلى فشل النظام المركزي تماماً في معالجة التباينات المحلية ، وعجز عن تلبية الاحتياجات اليومية المتباينة للمواطنين في البيئات الجغرافية والاجتماعية المتنوعة .

لذلك فالدولة الاتحادية هي الخيار المناسب كصيغة توافقية

في مقابل الفشل المركزي ، حيث تبرز الدولة الاتحادية كضرورة حتمية وصيغة توافقية تاريخية تتناسب تماماً مع طبيعة التنوع الجغرافي والتركيبة الاجتماعية الفريدة لليمن. وتتجلى أهمية هذا النظام في قدرته على :-

1- إعادة توزيع القوة والثروة :-

يضمن النظام الاتحادي تقاسماً عادلاً وشفافاً للموارد والسلطة بين المحافظات ، بعيداً عن الاستئثار والاستحواذ .

2- منح الصلاحيات الواسعة :-

تمكين الوحدات الإدارية والمحلية من تدبير شؤونها التنموية، والخدمية، والتعليمية، والصحية بناءً على أولوياتها المحلية .

3- ترشيد الإدارة المركزية :-

تخفيف الأعباء والالتزامات الضخمة عن كاهل العاصمة ، مما يتيح للحكومة الاتحادية التركيز على السيادات الكبرى كالملفات الخارجية والسياسات النقدية.

4- تحفيز التنافس الإيجابي :-

خلق بيئة تنافسية شريفة بين المحافظات لتطوير بنيتها التحتية، وجذب الاستثمارات، وتقديم أفضل الخدمات لمواطنيها .

كما يرتبط نجاح الدولة الاتحادية ارتباطاً وثيقاً بملف الأمن ، فمن منطلق الحقائق الثابتة، فإن أبناء المحافظات هم الأعلم بطبيعة مناطقهم، والأكثر دراية بتضاريسها ، واحتياجاتها الأمنية ، والنسيج الاجتماعي المحرك لها. ولذلك ، فإن إشراك المجتمع المحلي في حماية نفسه يحقق مكاسب استراتيجية أبرزها :-

1- تعزيز الاستقرار الداخلي ببناء ثقة متبادلة وقوية بين المواطن والأجهزة الأمنية، حيث يتحول المواطن من مراقب إلى شريك في حفظ الاستقرار.

2- تحصين المحافظات ضد الاختراق بتشكيل قوات أمنية محلية تنتمي عقيدتها وجذورها إلى أبناء المحافظة نفسها، يجعلها سداً منيعاً ضد الاختراقات الأمنية والمشاريع التخريبية العابرة للمناطق.

3- إزالة الحساسيات الجغرافية حيث يقلل هذا النموذج من الاحتقان والمخاوف الناجمة عن وجود قوات من خارج المنطقة مما يزرع الطمأنينة .

4- خلق بيئة جاذبة بتوفير الأمن المحلي المستقر يعد الحافز الأكبر لعودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم، ويمهد الأرضية الخصبة لتدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال.

في نهاية المطاف ، ليست الدولة الاتحادية مجرد إعادة توزيع للحدود الإدارية ، بل هي نظام قيمي متكامل ينهي وإلى الأبد صراعات النفوذ والحروب المستمرة للسيطرة على المركز والعاصمة ، إنها تؤسس لعقد اجتماعي جديد وجريء، يقوم على الشراكة الحقيقية، والقبول بالآخر، واحترام التنوع. وهو النموذج الوحيد القادر على حماية وحدة اليمن وصون سيادته، ولكن في إطار اتحادي مرن يتسع للجميع ويضمن حقوق كل مواطن دون تمييز أو إقصاء .


عبدالكريم الدالي