آخر تحديث :السبت-15 أغسطس 2026-06:14ص

اقتصاديات السبورة حين يصبح الفأر مرآة لأزمة التعليم وطموحات المستقبل في اليمن

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 09:22 م
نجيب الكمالي


تُحكى حكاية قديمة عن امرأة دخلت على الحجاج بن يوسف الثقفي تشكو أمراً بدا غريباً فقد قالت إن بيتها لم يعد فيه فأر واحد. لم ينظر الحجاج إلى ظاهر الشكوى بل فهم المعنى العميق خلفها، فالمرأة لم تكن تبحث عن الفئران بل كانت تشير إلى فراغ البيت من الطعام. فالفئران لا تهجر البيوت العامرة ولا تغادر المخازن الممتلئة، ورحيلها يكون علامة على أن شيئاً ما تغير في الداخل.

هذه الحكاية القديمة تحمل درساً يتجاوز زمنها، فالأزمات لا تظهر دائماً في صورتها المباشرة، بل تكشفها العلامات المحيطة بها. وفي واقع التعليم اليمني اليوم، يصبح الفأر رمزاً لسؤال أكبر: هل ننشغل بالأعراض أم نبحث عن الأسباب الحقيقية التي أفرغت مخزن التعليم من كثير من مقوماته؟

في مدينة عدن، لم تعد المدارس الأهلية مجرد خيار تعليمي إضافي، بل أصبحت شريكاً أساسياً في استمرار العملية التعليمية، وساهمت في استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب وتوفير فرص عمل للمعلمين والإداريين في ظل ظروف اقتصادية وخدمية استثنائية.

ومع تصاعد الجدل حول رسوم المدارس الأهلية، يتركز النقاش غالباً على قيمة الرسوم، بينما تغيب أحياناً الصورة الكاملة لحجم التحولات التي تقوم بها هذه المؤسسات لمواكبة المتغيرات العالمية في التعليم.

فالمدرسة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المناهج التقليدية وأساليب التلقين، بل أصبحت مطالبة بالانتقال إلى التعليم الذكي وإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي والحاسوب والبرمجة والروبوتات، وتنمية مهارات التفكير والإبداع وحل المشكلات.

وفي هذا السياق تأتي أهمية انطلاق بطولات الروبوت والذكاء الاصطناعي والحسابات الذهنية في مدينة عدن بمشاركة الطلاب والشباب، ومنها مسابقة جمع الكرات التي تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التعليم التطبيقي وتشجيع الأجيال الجديدة على اكتساب مهارات المستقبل.

فهذه البطولات لا تقتصر على المنافسة فقط، بل تمثل مساحة لاكتشاف المواهب وتنمية قدرات التفكير الإبداعي والتحليل وحل المشكلات، وربط التعليم النظري بالتطبيق العملي في مجالات أصبحت تشكل مستقبل العالم.

إن إدخال الروبوت والذكاء الاصطناعي والحسابات الذهنية إلى البيئة التعليمية يعكس الحاجة إلى الانتقال من أساليب التعليم التقليدية إلى منظومة تعليمية حديثة تركز على الابتكار والمهارات الرقمية، وتمنح الطلاب القدرة على التعامل مع متطلبات العصر الجديد.

لكن هذا الطموح يصطدم بتحديات كبيرة، فالمدارس الأهلية تعمل في بيئة اقتصادية معقدة، وتواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والديزل وتشغيل المولدات والاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية، إضافة إلى الإيجارات ورواتب المعلمين والصيانة والتجهيزات التقنية الحديثة.

إن المدرسة الأهلية اليوم لا تدير مجرد فصول وكتب، بل تتحمل أعباء تشغيلية كبيرة للحفاظ على استمرار التعليم ومواكبة التحولات العالمية في الوقت نفسه.

وفي خضم هذه التحديات يبرز دور مكاتب التربية والتعليم باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنظيم العملية التعليمية وضمان جودتها، إلا أن طريقة التعامل مع ملف المدارس الأهلية تثير تساؤلات لدى كثير من المهتمين بالشأن التربوي، خصوصاً عندما يطغى خطاب التهديد والوعيد على لغة الحوار والشراكة.

ومع بداية العام الدراسي الجديد تظهر مطالب من بعض مكاتب التربية والتعليم بخفض الرسوم الدراسية، بينما يرى كثير من المهتمين بالشأن التربوي أن الأولوية ينبغي أن تنصب على قضايا أكثر ارتباطاً بجوهر العملية التعليمية، مثل تعزيز جودة التعليم، وتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، ودعم التحول الرقمي بما يواكب التطورات العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والحاسوب والمهارات الحديثة.

فدور التربية والتعليم لا يقتصر على متابعة الرسوم فقط، بل يتمثل في بناء بيئة تعليمية قادرة على إعداد الطلاب للمستقبل، ووضع معايير واضحة للجودة، وتشجيع المؤسسات التعليمية على الابتكار والتطوير، بما يحقق التوازن بين مصلحة الأسرة وحق الطالب في تعليم متقدم ومستدام.

إن التعليم لا يمكن أن ينهض بالقرارات الضاغطة وحدها، ولا يمكن بناء مستقبل الأجيال عبر التركيز على العقوبات والرسوم فقط، بل يحتاج إلى رؤية تربوية شاملة تهتم بجودة التعليم وتطوير المناهج وتشجيع الابتكار ومساندة المؤسسات التعليمية القادرة على مواكبة العصر.

فالخفض غير المدروس للرسوم قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تراجع جودة التعليم أو تقليص برامج التطوير أو التأثير على قدرة المدارس على الاحتفاظ بالكوادر المؤهلة.

إن المشكلة ليست بين الأسرة والمدرسة، فالجميع يواجه الظروف نفسها. ولي الأمر يبحث عن تعليم جيد لأبنائه، والمدرسة تسعى للحفاظ على رسالتها، والمعلم يحتاج إلى بيئة مستقرة، والطالب يبقى محور العملية التعليمية ومستقبل الوطن.

فالمشكلة ليست في غياب الفأر، بل في السؤال الأعمق: من الذي أفرغ المخزن؟ وكيف يمكن إعادة ملئه؟

إن مستقبل التعليم في اليمن لن يصنعه التمسك بالماضي فقط، بل القدرة على الجمع بين معالجة تحديات الحاضر والاستعداد لعصر جديد تصنعه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار.

فحماية التعليم اليوم ليست حماية لمؤسسة أو قطاع فقط، بل حماية لمستقبل جيل كامل ينتظر فرصة ليشارك في صناعة المستقبل.