آخر تحديث :الإثنين-10 أغسطس 2026-03:40م

عندما تموت أحلام الشباب في وطن باعه السياسيون رخيصًا

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 08:38 ص
د. أنور الصوفي


تساقطت أعمدة الخرسانة على تلك الأجساد النحيلة، أصوات الاستغاثة تأتي من تحت تلك الركام الخرسانية، وأحدهم يقف فوق تلك الركام وهو يطمئن تلك الأجساد النحيلة، سيأتي الشيول سيأتي الشيول، ولكن الشيول لم يأت، وبدأت الأصوات تختفي شيئًا فشيئًا، ولم يعد ذلك الشخص ومن حوله يسمعون إلا أنينًا خافت.


صمتت تلك الأصوات وصمت الأنين وجاء الشيول، ولكن مجيئه كان متأخرًا، فقد مات كل من تحت الركام، فرفع الشيول تلك الخرسانة عن تلك الأجساد، وكان قد سجل أحدهم على جواله قبل موته مقطع الوداع الأخير الذي قال فيه: مازالت أحلامي أن أراك يا أمي وأن أرى أبي وأخوتي، ولكن الخرسانة كتمت أنفاسي، فلا أستطيع أن أتنفس، كم كانت أحلامي كبيرة يا أبي فكان حلمي أن تراني عائدًا إليك حاملًا بندقيتي، لترى ابنك أنه قد صار رجلًا كما كنت تحلم، كم كنت أتمنى أن أحقق أحلامك يا أمي وأنت ترينني عريسًا وتهدينني عقد فل كما كنت تقولين لي، آه يا أمي لقد اختنقت، فلماذا لا تمدين يدك لتأخذيني من بين تلك الخرسانات التي جثمت على صدري، أين أنت يا أبي يا من كنت تنقذني من كل كرب.


أبي مازال راتبي في جيبي أحببت أن أرسله لك عصر هذا اليوم لتذهب مزهوًا لاستلامه، أبي راتبي في جيبي الأيمن فإذا حضرت فمد يدك لتتناوله من تلك الفتحة التي أرى منها النور ولكنها لا تساعدني على أخذ أنفاسي، أبي لقد ضغطت تلك الخرسانة على صدري حتى كادت أضلاعي تنطبق على قلبي الصغير، فلم أكن أتوقع أن أحاصر ولا تنقذني فأنت كنت منقذي وحارسي، فلماذا تأخرت يا أعز علي من قلبي.


أمي ألا أستطيع رؤيتك بعد اليوم؟ أمي عندما أفكر في ذلك تزيد ضغوطات تلك الخرسانة على صدري، وكأنها تقول لي: لن ترى أمك وأباك وأخوتك بعد اليوم، لا، لا أمي إني لا أحتمل ذلك، فكم أنا مشتاق لحضنك وضحكتك، كم أنا مشتاق لتلك اللحظة التي أعود إليكم فيها لتستقبلوني وتحتضنوني وأحتضنكم ونجلس نتسامر في بيتنا الجميل ونرسم المستقبل سويًا، كم أنا مشتاق لأخوتي، آه يا أبي لقد مزقت الخرسانة صدري ولا أقوى على مواصلة الكلام فالحمل على صدري ثقيل، وختم كلامه آه كم أنا مشتاق إليكم كم أنا مشتاق لعتبة بيتنا، كم أنا مشتاق لصوت أبي، كم أنا مشتاق لحضنك يا أمي، كم أنا مشتاق لأخوتي، آه قالها بألم يهد الجبال، آه يا أبي أنا لا أحتمل لقد كتمت تلك الخرسانة أنفاسي.


لم نعد نسمع على ذلك التسجيل إلا صوت الشيول وهو يرفع الخرسانة من على ذلك الجسد النحيل، وصوت شخص يقول هنا جثة تحت تلك الخرسانة، فيرن الجوال، فيتناوله أحدهم وإذا بصوت مرعوب ينادي حبيبي وقلبي لماذا لم تتصل لتطمنا على سلامتك؟ آه يا ابني لا أستطيع الحياة بدونك، فيرد عليها شخص آخر ويقول: لقد استشهد صاحب هذا الجوال، فيصمت ذلك الجوال، ليطوي صفحة سعادة لم تكتمل.