آخر تحديث :الخميس-06 أغسطس 2026-11:12م

يومياتي في عدن الحلقة الثالثة

الخميس - 06 أغسطس 2026 - الساعة 09:03 م
د. عبدالقادر المحوري


كريتر حيث تتكلم الذاكرة


ولكريتر مكانتها الخاصة ولشوارعها وأزقتها ذكريات لا تنسى لأهل عدن وقاطنيها ولمن أجبرته الظروف على الرحيل عنها فغادرها جسداً وبقيت روحه معلقة بها فما إن تطأ قدماك أحياءها العتيقة حتى تتزاحم الذكريات وتعود الوجوه والأسماء والمواقف وكأن الزمن توقف هنا ينتظر عودة من أحب هذه المدينة ولم يغادرها قلبه يوماً.


عدن ليست مدينة تزار فحسب بل حالة شعورية تسكن الوجدان وكل زاوية فيها تحمل حكاية وكل شارع يروي فصلاً من العمر وما إن يلامس نسيم البحر الوجوه حتى تستيقظ ذاكرة الفن الجميل ويعود صوت أبو بكر سالم بلفقيه مردداً كل شيء إلا فراقك يا عدن وكأنها تختصر مشاعر كل من فارق هذه المدينة قسراً ثم يمتد الحنين مع رائعته في شواطئ عدن ويصدح النداء الخالد طف على شمسان واجزع ساحل أبين والقدير فيغدو المكان قصيدة لا تنتهي.


ويحضر أحمد قاسم ذلك الصوت الذي ارتبط بعدن وأهلها فتنساب كلماته مع وقع الخطى في أزقة كريتر عدن عدن يا ريت عدن مسير يوم وعند صيرة حيث البحر يعانق الصخور تستحضر الذاكرة لك يد تمتد من فوق المطلع ويد في صيره ترقرق فتدرك أن الأغنية العدنية لم تكن لحناً فحسب بل كانت تاريخاً وذاكرة ووجداناً لمدينة أحبها الجميع.

يا ساحل أبين تلك الأغنية التي أصبحت رمزاً للمكان والذاكرة تستحضر البحر والرمال وصور الأيام التي مضت وكأنها تقول إن للأمكنة أوطاناً في القلوب لا تغادرها مهما ابتعدت المسافات.


وفي كريتر لا تسير في شارع أو زقاق إلا ويستوقفك مشهد أو يوقظك اسم أو تعود بك الذاكرة إلى وجه غاب أو مجلس انقضى أو حكاية ما زالت تتردد بين الجدران العتيقة هنا لا تقاس الأمكنة بمساحاتها وإنما بما تختزنه من ذكريات وبما تركته في نفوس من عاشوا فيها أو مروا بها يوماً ثم حملوا عدن معهم أينما ارتحلوا.


ولعل هذا هو سر عدن الحقيقي أنها لا تغادر أبناءها ولا يغادرونها وإن ابتعدوا عنها سنوات طويلة تبقى حاضرة في الذاكرة نابضة في الوجدان تحفظها الأغاني وتصونها الذكريات ويعيدها الحنين كلما مر اسمها أو لامس نسيم بحرها القلب.


واصلت جولتي فمررت بشارع الطويل ثم اتجهت إلى الزعفران وهناك كان لا بد من التوقف عند صالون الحلاق مطهر الذي تمتد حكايتي معه لعقود طويلة فقد اصطحبت إليه أولادي وهم أطفال وها هم اليوم شباب يقصدونه بأنفسهم في مشهد يلخص رحلة العمر وتعاقب الأجيال.


وعند تقاطع الزعفران كانت استراحة قصيرة في مشرب الليمون وكنت برفقة ابني ريان عبدالقادر فإذا بصديق الدراسة والزمالة الأستاذ نصر باغريب يلتقي بنا مصادفة وما أجمل لقاءات الزمن حين تأتي دون موعد فتحولت إلى جولة بين شوارع كريتر نستعيد خلالها محطات قديمة وأخرى حديثة ونستذكر زملاء الدراسة ومهنة المتاعب الذين جمعتنا بهم قاعات الدرس وغرف التحرير ثم فرقت بيننا طرق الحياة وكل منهم يسعى في مناكب الأرض باحثاً عن الرزق وصانعاً لمسيرته.


وبهذه المناسبة لا بد من التوقف عند الأستاذ نصر باغريب الذي كان ضمن الهيئة التدريسية لقسم الإعلام بجامعة عدن عند افتتاحه عام 1998 في عهد مؤسس ورئيس القسم الراحل الدكتور حسن الحداد وهو العام الذي شهد انطلاق أول دفعة في قسم الإعلام وكانت أول محاضرة لنا تحت إشراف الأستاذ الزائر الدكتور لقاء مكي الأكاديمي العراقي الذي أصبح لاحقاً الباحث الاول وكبير المحللين الاستراتيجيين في قناة الجزيرة.


ولم تتوقف مسيرة الزمالة عند تلك المرحلة بل تجدد اللقاء بيننا مع تدشين برنامج الدراسات العليا التمهيدي للماجستير في قسم الإعلام بكلية الآداب بجامعة عدن قبل أن يتحول القسم لاحقاً إلى كلية مستقلة للإعلام خرجت حتى اليوم أجيالاً متعاقبة من الإعلاميين الشباب الذين يحملون رسالة الكلمة الحرة في مختلف وسائل الإعلام داخل اليمن وخارجها.


وأعاد إلي هذا اللقاء استحضار زملائي في الدفعة الأولى لبرنامج الماجستير وفي مقدمتهم الأستاذ نصر باغريب والدكتور وهيب عزيبان عميد كلية الإعلام حالياً والدكتورة نوال مكيش والدكتور علي سالم بن يحيى والدكتورة رشاء هاشم والأخت العزيزة دعاء سالم المقيمة في السويد والزميلة رندا عكبور والاستاذ سعد هود وآخرون قد تغيب أسماؤهم عن الذاكرة لحظة التدوين لكنهم حاضرون في القلب والوجدان.


وما أجمل أن تعيد مدينة كعدن وصل ما انقطع وأن تمنحك في كل شارع حكاية وفي كل لقاء مساحة جديدة للوفاء فالأمكنة العظيمة لا تحفظ تفاصيلها الحجارة وحدها وإنما يحفظها الناس وتحرسها الذكريات وتبقيها حية في القلوب مهما طال الغياب.


ولأن عدن لا تنتهي حكاياتها فإن لكل شارع فيها قصة ولكل حي ذاكرة تستحق أن تروى وما زالت الرحلة مستمرة وما زالت المدينة تخبئ الكثير من الوجوه والأماكن والمواقف التي تنتظر دورها في صفحات يومياتي القادمة.


يتبع،،،