آخر تحديث :الأحد-09 أغسطس 2026-09:39ص

من يوقف دوران العجلة

الخميس - 06 أغسطس 2026 - الساعة 12:25 م
فضل علي مندوق


في المنظور الهندسي، لا تتحقق كفاءة منظومة الحركة بمجرد اكتمال أجزائها، وإنما بقدرة كل مكوّن على أداء وظيفته ضمن تناغم دقيق يضمن انتظام الأداء واستمرارية الحركة. فالتروس التي أنهكها التآكل أو أصابها الصدأ لا تظل مجرد أجزاء ضعيفة، بل تتحول إلى عناصر معيقة تعرقل انتقال القوة وتحدّ من قدرة الآلية على مواصلة عملها الطبيعي. والقيادة الرشيدة لا تجعل المحافظة على المكونات غايةً في ذاتها، بل تجعل كفاءة الأداء واستمرارية الحركة المعيار الذي يُبنى عليه القرار؛ فتُصلح ما يمكن إصلاحه، وتستبدل كلَّ عنصرٍ فقد القدرة على أداء وظيفته؛ فالإصرار على الإبقاء على عنصرٍ معطّل لا يحفظ انتظام الأداء، بل يكرّس الخلل ويقوّض كفاءة العمل.

وفي الحياة السياسية والتنظيمية، تنطبق القاعدة ذاتها؛ فالكيانات السياسية لا تتقدم بمجرد وجود الأسماء أو اكتمال الهياكل الشكلية، وإنما بمدى التزام مكوناتها بروح العمل الجماعي، واحترام التوافقات السابقة، والاحتكام إلى القواعد والأسس التي قامت عليها. فالقيمة الحقيقية لأي كيان لا تُقاس بعدد أعضائه أو بمظهره التنظيمي، وإنما بقدرته على تحويل التوافقات إلى التزامات عملية، وتحويل المسؤولية إلى ممارسة فاعلة، وتحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.

وعندما يتنصل بعض الفاعلين من التزامات سبق أن توافقوا عليها، أو يتراجعون عن قرارات شاركوا في صياغتها، أو يسعون إلى تجاوز الأطر التنظيمية المتفق عليها، فإن المسألة لا تعود مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تتحول إلى خلل داخلي يؤثر في قدرة الكيان على أداء دوره والحفاظ على مساره. فالاختلاف داخل أي بناء جماعي أمر طبيعي، بل قد يكون مصدر إثراء، غير أن تحويله إلى وسيلة لتعطيل العمل المشترك أو تقويض القواعد المتفق عليها ينقل الأمر من دائرة الاختلاف المشروع إلى دائرة الإرباك التنظيمي.

ولعل ما ذهب إليه المفكر الإداري جيم كولينز في كتابه «من جيد إلى عظيم» يلخص هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ يرى أن استمرار أي كيان ونجاحه مرهونان بوضع الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة، واستبعاد من أصبح وجودهم عائقاً أمام التقدم. فالمحافظة على العناصر غير الفاعلة لا تُعد حفاظاً على الكيان، بل إضعافاً لقدرته على الإنجاز، وتأجيلاً لمعالجة الخلل الذي يحد من فاعليته ويقوّض فرص تطوره.

فالكيانات الكبرى لا تتعثر دائماً بسبب الضغوط الخارجية، بل كثيراً ما يبدأ الوهن من داخلها، عندما تُقدَّم الحسابات الضيقة على المصلحة العامة، وعندما تتحول المواقع والمسؤوليات إلى غايات بحد ذاتها، بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة الأهداف التي أُنشئ الكيان لتحقيقها. وفي هذه الحالة لا يكون الخطر في وجود الاختلاف، وإنما في تحوّله إلى تعطيل ممنهج يستنزف الطاقات ويعرقل القدرة على التقدم.

إن التجارب السياسية والتنظيمية تؤكد أن بقاء أي كيان لا يرتبط بشرعية نشأته فقط، بل بقدرته على مراجعة أدائه، وتصحيح اختلالاته، واتخاذ القرارات التي تفرضها المصلحة العامة في الوقت المناسب. فالحركة التي تتوقف بسبب عناصر فقدت قدرتها على نقل القوة لا تحتاج إلى مزيد من الانتظار، ولا إلى الإصرار على الإبقاء على مكونات ثبت عجزها عن أداء وظيفتها، ما دامت البدائل الأكثر كفاءة وجدوى متاحة وقادرة على إعادة المسار إلى وضعه الطبيعي.