ليست الاستعارات في الخطاب السياسي اليمني أدوات بلاغية شعبوية مؤثرة فحسب؛ بل هي أطرٌ إدراكيّة تُنتج المعاني، وتعيد تشكيل إدراك الجمهور للأحداث والفاعلين السياسيين والتاريخ. ومن بين أكثر التعبيرات الشعبية تداولاً وإثارة للاهتمام اليوم تأتي عبارة (دُقّ مع الرَّباش)، التي تمثل نموذجاً لافتاً لقدرة الخطاب السياسي على إعادة إنتاج المعنى وفقاً لتحولات السياق وتطورات الأحداث.
في أصلِها الشعبي، تنتمي العبارة إلى البيئة الموسيقية اليمنية؛ حيث يدل (الرَّباش) على الإيقاع المتسارع المضطرب الذي يخرج عن نسقه المألوف، بينما يعني (الدق) مجاراة ذلك الإيقاع بالعزف عليه.
ومن هذا المجال الحسي انتقلت العبارة، عبر آلية الإسقاط المفهومي، إلى المجال الاجتماعي ( المصافحة بطريقة حماسية فيها تأييد وتأكيد وأحيانا سخرية؛ ثم الى الخطاب السياسي، فأصبح (الدق مع الرباش) يعني الانسياق مع الضجيج السياسي والإعلامي، ومجاراة موجات التعبئة والمزايدات دون تمحيص أو موقف مبدئي. ولذلك استُخدمت طويلاً بوصفها استعارة نقدية تُدين الانتهازية السياسية، والتبعية، والارتهان للمزاج الجماهيري المتقلب.
ويؤيد هذا التحليل التأصيلُ المعجمي للجذر (ر ب ش) في العربية؛ إذ تدور معانيه في المعاجم حول الاختلاط والتنوّع، كوصف الأرض كثيرة النبات المختلفة الألوان، أو الشيء الذي تتداخل هيئاته، دون أن يدل في أصله على الفوضى أو الاضطراب. ويبدو أن الاستعمال اللهجي اليمني وسّع هذا الحقل الدلالي، فنقل الكلمة من وصف الاختلاط الحسي إلى الدلالة على اختلاط الأصوات والحركات، ثم إلى الهرج والضجيج، قبل أن تستقر في الخطاب السياسي بوصفها استعارةً للحشد والتعبئة وتسارع الإيقاع السياسي. ويجسد هذا التحول مثالاً واضحاً على التطور الدلالي الذي تُعاد فيه صياغة المعنى تبعاً للسياقات الثقافية والتداولية.
غير أن التطور الأحدث في التداول السياسي اليمني منح هذه العبارة حياةً جديدة. فقد تزامن حضورها مع بروز اسم محافظ أبين، الدكتور مختار الرباش، لتنشأ حالة تداولية فريدة تداخل فيها اسم العَلَم مع الاستعارة الشعبية. ولم يكن هذا التداخل مصادفة لغوية، إنما أطلق عملية إعادة تأطير دلالي غيّرت وظيفة التعبير نفسه؛ إذ لم يعد (الدق مع الرباش) يُفهم، في كثير من السياقات، بوصفه انقياداً للفوضى، وإنما بوصفه قدرة على مواكبة الحراك الشعبي، وسرعة الاستجابة، والحضور الميداني الفاعل.
وتكشف هذه الظاهرة أن المعنى لا يستقر في البنية اللغوية وحدها، وإنما يُنتج داخل السياق التداولي. فالاستعارة لا تحمل دلالة ثابتة، بل تتغير بتغير الفاعلين والظروف التي تُستدعى فيها. وهكذا انتقلت عبارة (دقّ مع الرباش) من وظيفة نقدية تُدين الانسياق، إلى وظيفة تعبوية تُبرز القيادة الديناميكية، لتصبح مثالاً واضحاً على الكيفية التي يعيد بها الخطاب السياسي تشكيل الرموز الشعبية وتوجيهها لخدمة معانٍ جديدة.
ويتعاظم أثر هذا التحول حين يقترن بالحضور الكاريزمي للمسؤول (الرباش)؛ إذ لا تقوم فاعلية الخطاب على سرعة القرار وحدها، بل على القدرة على صناعة تواصل وجداني مع الجمهور. فالنبرة الخطابية، والحضور الميداني، وسرعة التفاعل مع الأحداث، جميعها عناصر تمنح الاستعارة قوة إقناعية مضاعفة، وتحولها من مجرد تعبير متداول إلى إطار ذهني يعيد تعريف القيادة في المخيال الشعبي.
ولا تمثل هذه الحالة استثناءً داخل الخطاب اليمني، بل تكشف عن آلية أوسع تحكم إنتاج المعنى فيه. فالاستعارات السياسية لا تصف الواقع فحسب، بل تعيد بناءه إدراكياً. فعندما يُقال إن (الوطن ينزف)، أو إن (الشرعية في عنق الزجاجة)، أو إن (الوحدة ماتت)، فإن الخطاب لا ينقل أحداثاً سياسية مجردة، وإنما يستعير خصائص الجسد المريض والكائن المحتضر ليؤطر الأزمة بوصفها تهديداً وجودياً يبرر الإجراءات الاستثنائية.
وبالمثل، تمنح استعارات التجسيد، مثل (عدن تتطهر) أو (تكلمت البندقية)، صفات الإرادة والفاعلية لكيانات غير بشرية، بما يؤدي إلى إزاحة المسؤولية عن الفاعلين الحقيقيين وإضفاء طابع قدري على العنف. كما تُحوّل استعارات السحق والإذلال، مثل (كبرت كروشهم)، و(الناس يطحنها الغلاء)، و(مسحوا بكرامتنا الأرض)، المعاناة الاجتماعية إلى صور حسية تستثير الغضب الأخلاقي، بينما تؤسس استعارات نزع الإنسانية، من قبيل (سلالة الشيطان) و(أذناب الاستعمار)، لخطاب استقطابي يجعل الخصومة السياسية صراعاً بين خير مطلق وشر مطلق.
وتبلغ هذه المنظومة الاستعارية ذروة تأثيرها في الشعارات الصفرية، مثل (الوحدة أو الموت)، التي تُحوّل الخلاف السياسي إلى معادلة وجودية لا تقبل التسوية، أو في استعارة (الجنوب قادم) التي تمنح الجغرافيا ذاتها إرادةً تاريخيةً وحركةً حتمية، وكذلك في عبارات الثأر التي تنقل الخصومة من المجال السياسي إلى مجال الإلغاء الرمزي والجسدي.
ومن هنا، فإن دراسة استعارة (دُقّ مع الرباش) لا تتعلق بعبارة شعبية بعينها، بل تكشف عن آلية مركزية في الخطاب السياسي اليمني؛ وهي قدرة اللغة على إعادة إنتاج نفسها وفق تحولات الواقع، بحيث تتحول الاستعارة من أداة للنقد إلى أداة للتعبئة، ومن وسيلة لتعرية الانتهازية إلى رمز للقيادة والحضور الميداني. وبهذا المعنى، لا تعكس الاستعارات الواقع السياسي فحسب، بل تشارك في صناعته، وتعيد رسم حدوده داخل الوعي الجمعي، فتغدو اللغة نفسها أحد أهم ميادين الصراع على السلطة والشرعية في اليمن.