آخر تحديث :الأحد-02 أغسطس 2026-01:30ص

من ظلال "خوارزم" إلى معادلات الشرق الأوسط: التاريخ حين يعيد نسج الفواجع

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 10:05 م
عوض عميران


لا يكرر التاريخ تفاصيله وأسماء أحداثه بالمسطرة، لكنه يعيد إنتاج البنى الهيكلية للدوافع والسلوك البشري؛ حيث تظل أوهام القوة، وسوء تقدير الردع، وفخاخ الشماتة التكتيكية قادرة على توجيه مصائر الإمبراطوريات والدول عبر القرون.

إن المتأمل في صعود الدولة الخوارزمية وانهيارها الدراماتيكي أمام الاجتياح المغولي في القرن الثالث عشر الميلادي، يجد نفسه أمام مرآة مصقولة تحاكي واقع الصراع الجيوسياسي المحموم في الشرق الأوسط اليوم—حيث تتشابك خيوط المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ويتشكل أمن المنطقة العربية بين مطرقة التمدد العقائدي وسندان الهيمنة الأجنبية.

المدخل التاريخي.. درس سقوط "الدرع الخوارزمي"

تتلخص التجربة الخوارزمية (القرن 12–13م) في صعود سريع لإمبراطورية شاسعة امتدت من وسط آسيا إلى تخوم العراق، لكنها حملت في أحشائها بذور تدميرها الذاتي عبر ثلاث خطايا استراتيجية:

وهم القوة وتجاوز قواعد اللعبة: أدى تضخم القوة لدى السلطان علاء الدين محمد الخوارزمي إلى خوض صراع مزدوج؛ مع بغداد غرباً، ومع الخان المغولي شرقاً. وكان إعدام التجار والرسل المغول في "حادثة أترار" بمثابة الخطأ الاستراتيجي الذي فجّر الغزو المغولي الاستئصالي (1219م).

التفتيت التكتيكي للجيش: اتخذ الخوارزميون قراراً بنشر القوات في حاميات مفرقة داخل المدن بدلاً من التجمع في كتلة حاسمة، فسقطت الحواضر الكبرى (سمرقند، بخارى، أورغنج) واحدة تلو الأخرى.

العمى الاستراتيجي العباسي: استبشرت بغداد بضغط المغول على خصمها الخوارزمي الشرس، ورفضت مد يد العون لخلفه جلال الدين منكبرتي أثناء مقاومته الملحمية. أخطأت بغداد حين رأت في الخوارزميين تهديداً فقط، وغفلت عن أنهم يشكلون "السد الخرساني" الذي يحجب الطوفان. ونتيجة هذا الجهل الجيوسياسي، انفتح الطريق أمام هولاكو ليجتاح بغداد عام 1258م ويقضي على الخلافة العباسية.

لم يتوقف أثر الاجتياح المغولي عند بغداد والشام، بل أدى لسقوط الأيوبيين وصعود المماليك عبر بوابة عين جالوت (1260م)، لينتقل مركز ثقل الحضارة والسياسة إلى القاهرة، وتتأسس لاحقاً "دولة الإيلخانات" المغولية التي اعتنقت الإسلام في النهاية.

إسقاط اللحظة.. فخاخ الردع وعقدة "الشماتة الاستراتيجية"

تنعكس البنى الهيكلية لأحداث القرن الثالث عشر بوضوح على المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران:

فخ "أترار المعاصرة": يبرز خطأ حسابات الردع؛ فحين يتعامل فاعل إقليمي مع التكتيكات العسكرية بجرأة مفرطة دون تقدير ميزان القوى الصارم، قد يرتكب خطأً غير محسوب يمنح القوة العظمى ذريعة للانتقال من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية التدمير الشامل.

عقدة بغداد والشماتة الاستراتيجية: تُظهر بعض القوى الإقليمية ارتياحاً مستتراً للضربات الموجهة لإيران وشبكاتها؛ لكن هذا يكرر الدرس العباسي حرفياً. إن تفكيك القوة الإيرانية دون وجود بديل وطني متماسك يملأ الفراغ يخلق تهديداً أمنياً هائلاً يرفع سقف الفوضى لكافة عواصم المنطقة.

طبيعة المشروع الإيراني وتحدي الفراغ الجيوسياسي

إن كشف خطورة "الفراغ الاستراتيجي" لا يعني التعامي عن طبيعة المشروع الإيراني نفسه؛ فقد أثبتت التجربة خلال العقود الماضية أن التوسع عبر الوكلاء وتغليب الاعتبارات العقائدية على منطق الدولة الوطنية أديا إلى تداعيات بنيوية خطيرة:

سياسياً ومجتمعياً: تفكيك مفهوم "الدولة الوطنية" لصالح نماذج عابرة للحدود، وتجريف التعددية، مما أسفر عن تفكك النسيج الأهلي، واشتعال صراعات أهلية دائمية، ونزوح واسع للكفاءات.

عسكرياً واقتصادياً: إضعاف الجيوش الوطنية لصالح تشكيلات عقائدية موازية تحوّل المنطقة إلى خطوط دفاع أمامية، مع سيادة اقتصاد المؤسسات الموازية واستنزاف الثروات في الفواتير التسليحية تحت طائلة العقوبات والجمود التنموي.

فكرياً وثقافياً: أدلجة التعليم وتغييب المناهج المدنية والقومية، مما يفرغ الأمة من مقومات النهوض الذاتي حتى في حال زوال الخطر الخارجي.

غير أن إدراك هذا الخطر لا ينبغي أن يقود إلى الرهان على تفكيك إيران عبر تدخلات خارجية، أو الاعتقاد بأن انهيارها سيولد تلقائياً شرقاً أوسط أكثر استقراراً. فالتاريخ يعلمنا أن سقوط القوى الإقليمية الكبرى، حين يحدث في غياب مشروع عربي مستقل، يخلق فراغاً تستثمره القوى الدولية لتوسيع نفوذها على حساب الجميع. الخيار الحقيقي ليس الانحياز للمشروع الإيراني ولا للهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية، بل إنهاء حالة الارتهان.

الدرس الاستراتيجي.. حتمية البناء الذاتي

يكشف التاريخ القديم والواقع المعاصر عن حقيقة واحدة لا تقبل المساومة: إن ارتهان أمن المنطقة العربية لخصومة الأطراف الخارجية، أو الرهان على انكسار خصم إقليمي لصالح قوة عظمى وافدة، هو تكرار ذاته لخطيئة بغداد الخوارزمية.

إن الأمم لا تؤمن مستقبلها بالرهان على سقوط خصومها، بل ببناء عناصر قوتها الذاتية؛ فالتاريخ لم يرحم دولة جعلت أمنها معلقاً على أخطاء الآخرين. ومن هنا، تبرز الحتمية التاريخية لبناء مشروع أمن قومي عربي ذاتي ومستقل—مشروع يحمي البنية المجتمعية من التفكك، ويفرض توازناً جيوسياسياً يمنع التبعية بكافة أشكالها.