آخر تحديث :الأحد-02 أغسطس 2026-01:30ص

اللقاء الأخير مع الراحل سعيد عزب القيناشي

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 06:24 م
أ. حسين الصديق الجفة


مَرّتْ سنوات لم أره خلالها.. وفي مساء الأحد 4/4/2021م، هاتفني طالباً اياي زيارته- في اليوم التالي- إلى منزله، أو ملاقاته إلى مدينة موديه، ليراني قبل سفره.. واتفقنا على تحديد المكان والزمان.. غير أنه أخبرني: بأننا سنتناول وجبة الغداء هناك، ثُمَّ سنذهب إلى مكان لم يسمه، لزيارة شخص لم يسمه كذلك! فترددتُ كثيراً، وتحفّظتُ، إذ لا بد لي من معرفة كل ذلك قبل الموافقة، فترك الخيار لي في أن أذهب أو لا أذهب معه!


فقبلتُ وتحركتُ في اليوم التالي- بسيارتي- من القرية صوب مدينة موديه، بعد أن أخذتُ معي ابن عمي وأحد أولادي، لمرافقتي. وفي الحادية عشر ظهراً، كُنّا في مزرعة الأخ إبراهيم السيد (على يسار الخط العام، في المدخل الشرقي لمدينة موديه)، بعبارة أخرى: (المكان والزمان، المتفق عليهما)..


وجدنا- هناك- علي أبو بكر محمد عَشّال، مدير مكتب المهندس الميسري (نائب رئيس الوزراء، وزير الداخلية- السابق)، وكان يجلس إلى جواره صاحب المزرعة. وما هي إلّا دقائق معدودات، حتى وصل الأخ علي حسين عثمان عَشّال (عضو مجلس النوّاب- صاحب الدعوة).. ثُمَّ توافد المدعوون تباعاً، وكان على رأسهم الشيخ صالح أحمد العرماني، ونجله، وآخرون، اكتظت بهم مساحة الجلوس، والمقيل المقامة من أعواد الأشجار وسعف النخيل.. ظلال وارف.. مكان هادئ.. والماء والخضرة، والطبيعة الساحرة، والصُحبة الهنيّة.


حيث تَمَّ- بعد صلاة الظهر- تناول وجبة الغداء.. بعد ذلك لم يطل بنا المقام، فقد كان لدينا ما هو أهم! حددنا وجهتا، وركبنا السيارة الصالون الفارهة، يقودها علي أبو بكر، وإلى جواره عَمّه علي حسين- في المقعد الأول- والعرماني، وكاتب هذه الأسطر، في الكرسي الأوسط للسيارة.. كانت خلفنا سيارتان يستغلها بقية عائلة أل عشّال، ومعهم نجل العرماني.


تركنا خلفنا مدينة موديه- عبر الطريق الرئيسي المزفلت- باتجاه الشرق، مروراً بقرية أمارم، فمدينة جبلة الوزنة، والقرى المجاورة على جانبي خط سير السيارات، والقليتة التي يتوسطها الطريق العام.. وصولاً إلى قرية (لحمر).. تحدّثنا- في الطريق- عن بعض القضايا، والمشاريع المتعثرة، وعلى رأسها الطرق التي تربط القرى بالمدينة، وكذا إصلاح ما خربته السيول في طريق (برذعة) الذي يصل قرية المدارة- أل حيدرة علي- بمدينة موديه، خصوصاً وأنها تكررت فيه حوادث السيارات لضيق الطريق الذي لا يتسع غير لعبور سيارة واحدة بين جبلين ترابيين بارتفاع عشرات الأمتار تقريباً.


وقبل أن نصل إلى المنعطف المتجهة يساراً في قرية لحمر، انحرفت بنا السيارة يميناً في طريق ترابية تجاوزت بضعة مئات الأمتار، حتى وصلنا إلى منزل الشاعر سعيد مقبل عزب، من مواليد 1947م. التحق بالقوّات المسلحة في العام 1967م، وكان ضمن قوّات الردع العربية- في لبنان- عن جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في أواخر سبعينيات القرن المنصرم. وكان أحد المرشحين لعضوية مجلس النوّاب، في منافسة للأخ علي حسين عشّال، على مقعد الدائرة (122).


أستقبلنا إخوته أمام المنزل، في زيارة مفاجئة وغير متوقعة! وبرغم أن مهندس الزيارة كان الأستاذ علي عشّال، إلّا أنه طلب من العرماني، ومنّي أن نتقدم لمصافحة المستقبلين، وكذا الشاعر عند دخولنا ديوان المنزل! وهذا من حُسن الأخلاق والأدب!


كان الشاعر (العميد متقاعد (المُقْعَد- إثر مرض عضال)، سعيد مقبل عزب)، يتربّع عرش كرسيه المتحرّك، في وسط الديوان.. يشع حيوية وأمل، أستقبلنا بترحاب كاد أن يقفز من على الكرسي المتحرّك لمصافحتنا، واقفاً.. مبتسماً.. تململ قليلاً، ولم يقوَ على الحركة والقيام، ولكن كانت حرارة اللقاء والمصافحة محسوسة وظاهرة للعيان، في قوّة قبضة يده اليمنى التي لا زالت تتحرك بقوّة، تعبيراً عن ترحيبه وحُسن استقباله لزائريه.


جلسنا في مواجهته، وبدأ كلمات الترحيب، والسؤال عَمّن لا يعرفه، فقيل له، هذا محمود حسين عشّال، وأخوه سعيد، الخ.. كما أبدأ القلق عن أوضاع البلد حين سأل عن حال البلد والعباد، برغم ما يعانيه، وبعد الرد عليه، أخذ الحديث منحى آخر حيث طلبنا منه إسماعنا مساجلاته مع الشاعر محمد أحمد(شُميلة) في إحدى المناسبات، في قرية لحمر.. تبسّم بعد أن ترّحم على شُميلة، وأثنى على شاعريته وحكمته في الشعر، فقال:

قال شُميلة: يقول بو أحمد شُميلة ماشي معيّه غنيمه  


يا ريتني سعف حيدر وإلا سعيف الصريمه   


فردّدتُ عليه: يا دي تبيعوا غنايم بيعوا شُميلة غنيمه  


بيعوه في سوق مأرب وإلا بصنعاء القديمة   


ثُمَّ قلتُ: مسكين عمّي شُميلة اراه ماهي سليمة  


يشتي مع اهل الغنايم وهو بنفسه غنيمة   


فقال شُميلة: أنا غنيمة بلادي وأنته بلحمر رهينة  


با يذبحونك ضحيّة مع الضحايا الجسيمة   


فقلتُ: أنا حلّيت بين خوتي دي يرزمون الرزيمه  


منته عمدت امحفحف بين املَحْ والحُميمه   


لم تطل زيارتنا، فقد تركنا شاعرنا قبل الثالثة عصراً، بعد أن اغرورقت عيناه بالدموع وهو يحاول الإمساك بنا طالباً البقاء حتى تناول العشاء عنده، وأمطرناه بوابلٍ من الأعذار، وأخذ مِنّا الوعود بتكرار الزيارة كي يقوم بواجب الضيافة، والتفت إلى العرماني ممسكاً بيده، بأن كل ما قيل من وعود (في وجهه).. كانت زيارة مفاجئة وسريعة، لكن آثارها كانت طيبة وجميلة، حيث سُعدنا بها نحنُ، وأدخلنا السرور والغبطة إلى قلبه، وفرحته باللقاء، الذي لم يكدره غير الفراق السريع، الذي كان لا يرغب فيه الشاعر بتلك الطريقة.