آخر تحديث :الأحد-02 أغسطس 2026-01:30ص

الفتى الذي روّض الريح بضربة رأس.. بكلمة السر "أوفر يا ماهر"

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 01:26 ص
خالد مبروك غالب


في زمن الكبار، حيث كانت كرة القدم طقساً من طقوس العشق والوفاء، بزغ من غرس البدايات فتى حفر اسمه بالنور في ذاكرة الملاعب اليمنية؛ إنه عزيز سالم، العازف الصامت الذي امتدت رحلته من بساط أشبال الهلال الأخضر عام 1972، ليتسامى في فضاءات التألق هدافاً لا يشق له غبار لنادي وحدة عدن، وسفيراً يحمل راية الوطن في محافل الساحرة المستديرة عربياً ودولياً.بدأت حكايته في مدرسة الأشبال، يركض بين رفاق الحلم والأمل؛ نبيل سعدان، وعثمان خلب، وأبوبكر مهدي، وجمال شحاري، وضياء قباطي، ومنير مدهش، وفضل راجح، في جيل صاغ من الشغف أبجديته الأولى. ولم يلبث أن ارتقى سريعاً نحو منصات الشباب، ليتوج ببطولة المحافظة بعد موقعة مشهودة أمام شباب الرياضي، الذي كان يغص بأسماء لامعة كأبوبكر الماس وحسين عمار وعباس كوكني ومحمد السيد وشاكر ربيع. لكن القفزة الكبرى تجلت حين وطئت قدماه عشب الفريق الأول للهلال؛ ففي نهائي كأس شباب البريقة، وتحت أثير تعليق مصري رخيم بصوت الكابتن محمد لطيف، لعب أساسياً وقاد كتيبة النجوم—صالح هزاع، وعوضين، وعلي بن علي، وأنصار العبوس، وعبد الله السيد، وعلي فارع—إلى معانقة المجد بهدف حاسم هزّ الشباك وأعلن ولادة نجم من طراز فريد.ومع حلول عام 1975، شهدت الرياضة اليمنية ولادة فجر جديد إثر دمج الأندية، ليتخلق من رحم خطوتها مارد سمي "الوحدة". ووسط كوكبة من النجوم المحتشدة، انتزع عزيز مكانه ببراعة المقاتل, ليقود الفريق في موسمه الأول الاستثنائي إلى منصة التتويج بلقب الدوري، مكللاً مسيرته بخمسة عشر هدفاً، من بينها رباعية أسطورية استقرت في شباك الغريم التقليدي التلال، وظلت محفورة في وجدان التاريخ الكروي.لم تتسع ملاعب الوطن لفيض موهبته، فامتدت رحلته نحو الأفق الدولي؛ إذ بدأت الخطوة الأولى مع المنتخب المدرسي في مصر عام 1976 تحت قيادة المدرب القدير عزام خليفة، وبصحبة رفاق الدرب جميل سيف، وحسين جلاب، ومحمد صالح، ونور الدين، والماس، وعبد الله مسعود.


وتوالت بعدها المحطات من البطولة المدرسية في ليبيا عام 1977، إلى صفوف المنتخب الوطني في الكويت عام 1979، وتصفيات أولمبياد موسكو في بغداد، تخللتها معسكرات تدريبية في إثيوبيا وغيرها، حتى أسدل الستار على مسيرته الدولية عام 1981. وفي أروقة نادي الوحدة، وبعد هجرة بعض الطيور لتأسيس فريقي الجيش والشرطة، شكل عزيز مع شكري صعيدي والأحمدي وماهر قاسم رباعياً هجومياً مدمراً، يتكئ على جدار دفاعي صلب لا ينكسر.


وفي سجل الذكريات مباريات لا تموت؛ لعل أبرزها مواجهات موسم 1976 الصاخبة بثلاثية في مرمى شمسان انتهت بالتعادل، وفوز عريض على التلال برباعية نظيفة ذهاباً وهدف حاسم إياباً، وصولاً إلى هدفه التاريخي في شباك الشرطة عام 1981 الذي أرغم المدرب الأسطوري علي محسن مريسي على إعادته إلى صفوف المنتخب الوطني معززاً مكرماً. أما أهدافه الخالدة فكانت لوحات سريالية؛ أولها تسديدة مباغتة وعنيفة استقبل بها تمريرة ناصر هادي الذكية التي مرت من بين قدميه لتعجز حارس التلال شاكر ربيع، وثانيها لوحة طائرة استقبلها بصدره وأودعها شباك العملاق عادل إسماعيل حارس شمسان، وثالثها رأسية غاية في الأناقة والجمال سكنت شباك هاشم لطف حارس الشرطة.


لم يكن عزيز سالم مجرد هداف تقليدي، بل كان ظاهرة كروية نادرة وعصية على التكرار؛ رجل تروي لغة الأرقام أنه سجل برأسه الذهبية أكثر مما سجل بقدميه. كان هادئاً كبحر عدن خارج الملعب، لكنه يتحول إلى إعصار مدمر داخله، يمتلك حاسة غريبة في قراءة الفراغ قبل أن يتشكل؛ إذ صاغ فنه وحيداً، يداعب الكرة برأسه صبيحة ومساءً مستنداً إلى جدار صلب حتى دانت له الأسرار، متسلحاً بالتواضع والإيثار، حيث تنازل عن شارة القيادة لمن هم أصغر منه، مفضلاً روح الجماعة على بريق الأنا، ملقناً زملائه الدروس بهمسة ولمسة.حين كان الوحدة يعتلي التراب الأحمر، كانت الجماهير تدرك شيفرة الفرح، فتنطلق حناجرها بالهتاف الشهير: "أوفر يا ماهر".. لأن المدرجات كانت تعلم يقيناً أن هناك في الأعالي طائراً سيحلق في الأفق ليلتقط الكرة ويودعها الشباك. إن عزيز سالم ليس مجرد لاعب عابر، بل هو سطر خالد كتب بأحرف من نور بين السماء والعشب، وسيبقى اسمه للأبد مرادفاً للضربة الرأسية المتقنة التي لا تخطئ طريقها نحو المجد.