آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-11:59م

حين يُكافأ النفوذ ويُؤجَّل الاستحقاق... معتصم العوني شاهدا لا استثناء!

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 03:22 م
د. مجيب الرحمن الوصابي


لا تُقاسُ قيمة التقارير الحكومية بعدد صفحاتها أو أسماء لجانها، إنما بقدرتها على جعل الحقيقة قابلة للإثبات والتحقق، والإصلاح قابلًا للتنفيذ والمحاسبة. ومن هذه الزاوية، يكتسب التقرير النهائي المرفوع إلى مجلس الوزراء بشأن مراجعة آليات الابتعاث أهمية استثنائية؛ حيث جاء في لحظة فارقة من تاريخ وزارة التعليم العالي في اليمن، عقب انتقالها من صنعاء إلى عدن، وهي لحظة كان يُفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة والشفافية، لا أن تعيد إنتاج اختلالات الماضي بثوب جديد.


فالتقرير لا يتحدث عن أخطاء إدارية متفرقة بقدر ما يكشف ملامح أزمة مؤسسية؛ أزمة تتجلى في ضعف الأرشفة، واضطراب قواعد البيانات وتناقضها، وتداخل مراكز التأثير والنفوذ، حتى غدا القرار الإداري أسيرا لبيئة أكثر تعقيدًا من أن تختزل في توقيع موظف أو مخالفة فرد. فالفساد المؤسسي ليس فعلًا عابرًا، بل منظومة يصبح فيها الخلل هو القاعدة، ويغدو احترام القانون استثناءً يحتاج إلى من يدافع عنه.


وفي خضم هذه البيئة المضطربة، تبرز قصص تكشف الوجه الآخر للأزمة؛ قصص لا تتعلق بمن نال الفرصة، بل بمن استحقها ولم يجد إليها سبيلًا. ومن بين هذه النماذج يبرز الباحث والأديب معتصم العوني، الذي يمثل، بالنسبة لكثيرين، صورةً للباحث الذي اختار طريق الاستحقاق وحده.


تخرّج العوني وجاء الأول على قسمه في جامعة تعز عام 2014، ثم واصل رحلته العلمية حتى حصل على المركز الثالث في برنامج الماجستير في تونس عام 2023، ويواصل اليوم دراسته للدكتوراه بمنحة أكاديمية مجانية، لم يصل إليها بوساطة ولا بنفوذ، وإنما بجهد علمي متواصل. وإلى جانب مسيرته الأكاديمية، ظل حاضرًا في المشهد الثقافي التونسي ، يحمل اسم اليمن في المحافل الأدبية على نفقته الخاصة، مؤمنًا بأن الإبداع رسالة قبل أن يكون امتيازًا..


غير أن المفارقة المؤلمة ليست في قصة معتصم وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه قصته على المؤسسة نفسها: هل ما تزال الكفاءة هي الطريق الطبيعي إلى الفرصة؟ أم أن الباحث مطالب اليوم بأن يجيد إدارة العلاقات أكثر من إجادته للبحث العلمي؟



لقد كشف التقرير، في جوهره، عن الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الابتعاث على أسس من الشفافية والرقابة، لكنه كشف، بصورة غير مباشرة، عن مأساة أخرى لا تقل خطورة؛ وهي أن ضعف المؤسسة لا يظلم المال العام وحده، بل قد يظلم الإنسان الكفء أيضًا. فالخلل الإداري لا يُقاس فقط بما يُهدر من موارد، وإنما بما يُهدر من عقول، وما يُحبط من طاقات، وما يُفقده الوطن من كفاءات كان يمكن أن تكون جزءا من مشروع نهوضه وقيامه.


وتزداد الصورة إيلاما إذا أضيف إليها ما يصفه عدد من المبتعثين والمهتمين بالشأن الأكاديمي من تراجع الاهتمام بالعلوم الإنسانية، وتأخر إصدار قرارات التمديد لبعض مبتعثيها، إلى جانب شكاوى تتعلق بتخفيض أو استقطاع بعض مستحقاتهم المالية. وإن صح ذلك، فإنه لا يمثل خلل إداري قانوني، بل يعكس اختلالا في ترتيب الأولويات؛ فالدول لا تُبنى بالعلوم التطبيقية وحدها، كما لا تُبنى بالاقتصاد والهندسة والطب فقط، وإنما تحتاج، بالقدر نفسه، إلى القانون، واللغة، والتاريخ، والفلسفة، وعلم الاجتماع، لأنها العلوم التي تصوغ وعي الدولة قبل أن تشيد عمرانها.


ولعل السخرية الأكثر مرارة أن مؤسسة تعجز عن حفظ ملف أو تحديث قاعدة بيانات، تستطيع أن تُصدر أحكاما سريعة على مصائر الباحثين، بينما تظل ملفات المستحقين الحقيقيين حبيسة الأدراج. فالتقارير تُكتب، واللجان تُشكَّل، والشعارات تُرفع، لكن العدالة لا تتحقق إلا حين تصبح الكفاءة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها المؤسسة.


إن قصة معتصم العوني ليست مطالبة بامتياز، بل مطالبة بمعيار. وليست احتجاجًا من أجل شخص، بل دفاعًا عن فكرة بسيطة ينبغي أن تكون بديهية في أي دولة تحترم نفسها: أن التفوق ليس جريمة، وأن الاستحقاق لا ينبغي أن ينتظر وساطة أو سمسار، وأن الوطن لا يخسر شيئًا كما يخسر أبناءه الأكفاء حين يشعرون أن أبواب العدالة لا تُفتح بالمؤهلات، بل بالمفاتيح الخاطئة.



المقال مقدمة لسلسلة مقالات عن التقرير يناقش هذه الأسئلة بموضوعية:


- ما نقاط ضعف التقرير وقوته؟


-ما الذي يمنع التقرير من أن يكون دليلاً كاملاً؟


-هل يصلح كدليل في تحقيق إداري


-هل التقرير يصلح كوثيقة لاتخاذ قرار من مجلس الوزراء أو كدليل في تحقيق إداري؟


هل كل استنتاج مدعوم بدليل؟


هل توجد قفزات من الملاحظة إلى الاتهام؟


هل تم الاستماع لجميع الأطراف؟


هل هناك تحيز تأكيدي؟


هل تم الفصل بين الرأي والواقعة؟


هل البيانات الإحصائية كافية؟


هل التوصيات قابلة للتنفيذ؟