آخر تحديث :الأحد-30 أغسطس 2026-07:34ص

حين تُصبح الأيديولوجيا كفنًا للوطن

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 12:55 م
صخر الخطيب


في فلسفة التاريخ، لم تسقط الحضارات حين هُزمت عسكريًا، بل سقطت حين أُفرغت من إنسانيتها، ومُحيت فيها الفكرة الوطنية لصالح الوتد العقائدي. وما يحدث في اليمن اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو حرب أقاليم، بل هو تفكيك وجودي للإنسان والهوية، يجري على يد طرفين ينهلان من النبع الأيديولوجي الإقصائي ذاته: الفاشية السلالية الحوثية، والتمكين الحزبي الإخواني داخل الشرعية.

إن هذا الوطن المكلوم لا يخوض حربًا ضد أطراف سياسية يمكن المساومة معها، بل يرزح تحت لاهوت السلطة، حيث يتحول الدين من قيمة أخلاقية جامعة إلى سكين حادة في يد الجماعات الدينية لقطع شريان الحياة.

أولًا: الظاهرة الحوثية... الميتافيزيقيا أداةً للإبادة

على الطرف الأول من هذا العدم، تقف المليشيا الحوثية لتجسد أبشع صور الجماعات الدينية الفاشية في التاريخ البشري. إن خطر هذه الجماعة لا يكمن فقط في بندقيتها، بل في فلسفة التفرد السلالي التي تقتضي ملء الأرض جورًا باسم الحق الإلهي.


استعباد الجسد والروح لا تكتفي الحوثية بقطع الرغيف وتجويع الملايين، بل تطالب الإنسان اليمني بأن يُسلِّم عقله وولاءه لخرافة الولاية، لتصبح المأساة شمولية: جوعٌ في البطن، وظلامٌ في العقل.


الهندسة الاجتماعية القسرية تتجلى في تجريف الهوية، ومسخ المناهج، وتحويل الأطفال إلى حطب لمعارك عقائدية لا تنتهي. إنه استنزاف بيولوجي وفكري يهدف إلى قتل القدرة على النقد أو الرفض.


ثانيًا: الشرعية الوردية وفلسفة الفراغ المُدار في المقابل، برزت الشرعية الدستورية كغطاء كرتوني وردي يمارس النفاق الوجودي في أبهى صوره. إن خطورة هذه الشرعية لا تقف عند حدود الفساد المالي الذي يزكم الأنوف، كفضيحة نهب منح المتفوقين الفقراء في التعليم العالي، ومنحها للمقرَّبين، بل في كونها أصبحت مطية سُلِّمت مفاتيحها للتمكين الأيديولوجي.


حين تُسرق فرصة طالب فقير ليُمنح ابن مسؤول ميزة لا يستحقها، فهذا ليس مجرد فساد إداري، بل هو إعلان رسمي بموت مفهوم المواطنة لصالح الوساطة والحزب.

ثالثًا: السيطرة الإخوانية... حين يصبح التمكين خيانةً لمفهوم الدولة


إن الخطر البنيوي الأشد فتكًا بالشرعية يكمن في اختطاف مفاصلها السيادية من قبل جماعة الإخوان المسلمين ممثلةً بحزب الإصلاح.


فلسفيًا، تعاني الجماعات الدينية ذات الطابع التنظيمي من عقدة الولاء العابر للوطن؛ فبالنسبة للجماعة الأيديولوجية، ليست الدولة سوى غنيمة، وليست الوزارة سوى أداة للتمكين.


المؤسسة السيادية وخطورة السيطرة الأيديولوجية عليها

وزارة الداخلية: يتحول دور المنظومة الأمنية من حماية حقوق المواطن إلى مراقبة المجتمع، وقمع المخالفين، وتثبيت أركان التنظيم داخل أجهزة الدولة.


وزارة الدفاع: يؤدي تسييس العقيدة العسكرية إلى إدارة الجيش بذهنية الحزب والمحاصصة بدلًا من الذهنية الوطنية المجردة، فتُشل إرادة القتال، وتصبح معركة التحرير مجرد ورقة تفاوضية للاستحواذ السياسي.


اليمن بين مطحنتين لقد أثبت التاريخ الإنساني حقيقة واحدة لا تتغير: حين تدخل الأيديولوجيا الدينية المتطرفة من باب الدولة، يخرج الوطن من الشباك.


إن اليمنيين اليوم يواجهون قدرهم المأساوي بين:

أيديولوجيا سلالية حوثية ترى في بقية الشعب عبيدًا لـ«السيد».

وأيديولوجيا تنظيمية إخوانية ترى في أجهزة الدولة أدوات للتمكين الحزبي.


بين هذين الفكين تندثر فكرة الدولة الوطنية الحديثة، ويُطحن المواطن اليمني حيًا. إن الخروج من هذا التيه لن يتحقق بمجرد تغيير الوجوه، بل بكسر هذا القالب العقائدي الفاسد، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الخالصة التي لا تتبع سلالة، ولا تخضع لتنظيم، بل تنتمي إلى جميع أبناء الوطن بلا استثناء.