لم تعد أزمات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُفسَّر فقط بعوامل داخلية مثل ضعف الاقتصاد أو الانقسامات السياسية أو هشاشة المؤسسات، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية بصورة تجعل كثيرًا من الأزمات المحلية تتجاوز حدود الدولة نفسها. وفي هذا المشهد، يجد المواطن نفسه غالبًا أمام واقع تتداخل فيه قرارات الداخل مع حسابات الخارج، فتتراجع قدرة الدولة على رسم سياساتها باستقلالية كاملة.
المشهد الإقليمي اليوم يكشف مفارقة لافتة؛ فمعظم الدول تعلن أن هدفها تحقيق الأمن والاستقرار، بينما تؤدي المنافسات الإقليمية والدولية في بعض الحالات إلى إطالة أمد الصراعات أو تعقيد جهود التسوية. وبين اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، تصبح الدول الهشة أكثر عرضة للتأثر بالتجاذبات الخارجية.
وليس المقصود بذلك أن جميع الأزمات نتجت عن تدخلات خارجية، فالكثير منها بدأ بأسباب داخلية، لكن استمرارها وتعقيدها ارتبط في حالات عديدة بتشابك مصالح قوى متعددة، لكل منها أولوياتها وحساباتها الخاصة.
لقد شهد النظام الإقليمي العربي خلال العقود الماضية تحولات كبيرة. فبعد أن كانت فكرة التضامن العربي تمثل إطارًا سياسيًا عامًا، برزت في المقابل سياسات تعكس اختلاف الرؤى والمصالح بين الدول، وهو ما انعكس على طريقة التعامل مع أزمات المنطقة. وفي ظل غياب إطار إقليمي قادر على إدارة الخلافات بصورة فعالة، أصبحت بعض النزاعات تستقطب أطرافًا خارجية، فتزداد تعقيدًا.
وتبرز اليمن مثالًا على ذلك؛ إذ بدأ النزاع بجذور سياسية ومحلية، لكنه ارتبط مع مرور الوقت بمنافسات إقليمية، ما جعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة. أما في سوريا، فقد تداخلت العوامل الداخلية مع تدخلات متعددة من قوى إقليمية ودولية، فتحولت الأزمة إلى واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا في العقود الأخيرة، مع آثار إنسانية واقتصادية واسعة.
وفي ليبيا، أدى أنهار مؤسسات الدولة بعد عام 2011 إلى تعدد مراكز القوة، وتزامن ذلك مع دعم خارجي لأطراف مختلفة، ما ساهم في إطالة أمد الانقسام السياسي والعسكري، وأثر في جهود بناء مؤسسات وطنية مستقرة.
كما شهد العراق منذ عام 2003 تحولات عميقة بعد إسقاط النظام السابق، حيث واجه تحديات تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، إلى جانب تصاعد نفوذ فاعلين محليين وإقليميين، وهو ما جعل المشهد العراقي يتأثر بتوازنات تتجاوز حدوده.
أما لبنان، فيمثل نموذجًا آخر لدولة تتقاطع فيها الاعتبارات الداخلية مع التوازنات الإقليمية، حيث يؤثر الانقسام السياسي والأزمة الاقتصادية في قدرة المؤسسات على أداء دورها، بينما تبقى البلاد متأثرة بالتطورات المحيطة بها.
وفي الوقت نفسه، برزت دول الخليج كلاعبين مؤثرين في ملفات المنطقة. فلكل دولة مقاربتها الخاصة للأمن الإقليمي وللعلاقات الدولية. وتنطلق سياسات بعض الدول من اعتبارات تتعلق بحماية الحدود أو مواجهة التهديدات الأمنية، بينما تركز دول أخرى على أدوات الدبلوماسية أو الاستثمار أو الوساطة السياسية. وقد أدى اختلاف هذه المقاربات أحيانًا إلى تباين في المواقف تجاه بعض الأزمات الإقليمية، قبل أن تشهد المنطقة في السنوات الأخيرة محاولات لخفض التوتر وإعادة بناء قنوات الحوار.
ومن جهة أخرى، تسعى إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي عبر علاقاتها مع أطراف سياسية وعسكرية في عدد من الدول، وتعتبر ذلك جزءًا من استراتيجيتها الأمنية.
وفي المقابل، ترى دول أخرى أن هذه السياسات تؤثر في توازنات المنطقة وتزيد من حدة الاستقطاب.
أما تركيا، فقد وسعت حضورها الإقليمي خلال السنوات الماضية من خلال سياسات شملت الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، خصوصًا في ملفات مثل سوريا والعراق وليبيا. وتبرر أنقرة بعض هذه التحركات باعتبارات أمنية، بينما ينظر إليها منتقدون بوصفها توسعًا في النفوذ الإقليمي.
ولا يمكن إغفال دور القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى روسيا والصين بدرجات متفاوتة، في رسم ملامح النظام الإقليمي. فقد أثرت قرارات هذه القوى في مسارات عديدة، سواء عبر التدخلات العسكرية أو العقوبات أو الدعم السياسي أو الوساطات الدبلوماسية. ويُظهر تاريخ المنطقة أن اعتبارات الأمن والطاقة والممرات البحرية ومكافحة الإرهاب غالبًا ما كانت من بين العوامل المؤثرة في سياسات تلك القوى.
وفي هذا السياق، تظل حرب العراق عام 2003 من أبرز الأحداث التي أعادت تشكيل توازنات المنطقة، إذ ترتبت عليها تداعيات سياسية وأمنية امتدت لسنوات، وأسهمت في تغييرات واسعة داخل العراق وعلى مستوى الإقليم.
ومع ذلك، فإن التركيز على العوامل الخارجية وحدها لا يقدم صورة مكتملة. فالدول التي تتمتع بمؤسسات قوية، واقتصاد أكثر استقرارًا، ونظام إداري فعال، تكون عادة أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط الخارجية. أما عندما تضعف المؤسسات، ويتراجع مستوى الخدمات، وتزداد الانقسامات، فإن فرص التأثر بالتجاذبات الإقليمية تصبح أكبر.
لذلك، فإن بناء الدولة يظل عنصرًا أساسيًا في أي رؤية لمعالجة الأزمات. ويشمل ذلك تعزيز سيادة القانون، وتحسين كفاءة المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، ومكافحة الفساد، وتحقيق قدر أكبر من الشفافية والمساءلة.
كما أن التنمية الاقتصادية ليست ملفًا منفصلًا عن الاستقرار السياسي، بل ترتبط به بصورة وثيقة. فخلق فرص العمل، وتحسين التعليم، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، كلها عوامل تسهم في تقوية المجتمع والدولة، وتحد من قابلية الأزمات للتفاقم.
وفي الوقت نفسه، تحتاج المنطقة إلى أطر إقليمية أكثر فاعلية للحوار وإدارة الخلافات، بحيث تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم اللجوء إلى العنف أو دعم الصراعات بالوكالة، مع تشجيع الحلول السياسية للنزاعات.
أما المجتمع الدولي، فيمكن أن يؤدي دورًا إيجابيًا عندما يركز على دعم المؤسسات الوطنية، والمساعدة في جهود إعادة الإعمار، وتشجيع التسويات السياسية، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التعامل معها من منظور المصالح الآنية فقط.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الاستقرار المستدام؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط بقدرة الدول على تحقيق توازن بين حماية مصالحها الوطنية، والانفتاح على التعاون الإقليمي، وتعزيز مؤسساتها الداخلية. فالدولة التي تستند إلى مؤسسات فعالة واقتصاد متماسك ومشاركة مجتمعية أوسع تكون أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الخارجية، وأكثر استعدادًا لبناء علاقات متوازنة مع محيطها.
إن مستقبل المنطقة لن تحدده المنافسات وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة شعوبها ودولها على بناء نماذج حكم أكثر كفاءة، وتعزيز التعاون بدل التصادم، وتحويل الجغرافيا من ساحة تنافس إلى مساحة شراكة.
وفي النهاية، يبقى الإنسان هو محور أي مشروع للاستقرار. فحين تُصان كرامة المواطن، وتُبنى مؤسسات الدولة على أسس من القانون والمساءلة، تصبح فرص السلام والتنمية أكبر، ويغدو النفوذ الخارجي أقل تأثيرًا. أما عندما تتراجع الدولة، وتتعمق الانقسامات، وتستمر الصراعات، فإن الجميع يدفع الثمن، مهما اختلفت موازين القوة أو تبدلت التحالفات.