آخر تحديث :الأحد-26 يوليو 2026-11:28م

​المشاريع الكبيرة تتطلب رؤى مستقبلية!

الأحد - 26 يوليو 2026 - الساعة 12:10 م
عبدالله عمر باوزير


عندما عبر الجنرال شارل ديغول المانش إلى لندن، لم يكن معروفاً لأحد خارج المؤسسة العسكرية الفرنسية، وليس ثمة ما يميزه داخلها أو خارجها يدفعه السياسي الإنجليزي العجوز السير ونستون تشرشل لأخذه بجدية سوى أمرين:


موقفه من مشروع خط ماجينو الفرنسي؛ الذي اعتبره أهش من أن يصمد أمام دبابات البانزر الألمانية لساعات، وهو ما حدث بالفعل في 14 يونيو 1940 بالالتفاف عليه وفقاً لتصور الكولونيل ديغول لذلك الأمر.


طول قامته الفارعة مقارنة بقامات الفرنسيين المتوسطة، وقامة تشرشل القصيرة نسبياً وهو يستقبله؛ وذلك تحت ذهنية سياسي إنجليزي بارد التعامل، عميق التحليل والتقييم، وهي ميزة خانته في لقائه الأول مع الفرنسي الذي لم يكتفِ باستعراض نقده لخط ماجينو، بل قدم مشروع «فرنسا الحرة» كَرؤية لهزيمة ألمانيا النازية حرباً والاحتفاظ بمكانتها بين القوى الكبرى كشريك بعد الحرب.


وهو ما بدّد برودة الإنجليزي ليستقبله مرة أخرى، ويوجه جهاز الإستخبارات (MI6) لتسهيل إذاعة خطابه الأول باسم «فرنسا الحرة» عبر أثير إذاعة «البي بي سي» إلى الشعب الفرنسي، ومن ثم تخصيص ساعات بث بالفرنسية عبر شبكتها استمرت حتى التحرير ودخول هذا الفارع الطول إلى باريس، لا كزعيم فرنسي فحسب، بل كقائد دولي مؤثر بعد الحرب.


سيقول لي حضرميٌّ من مناضلي «الفيسبوك» الذي اشتعل خلال الأيام الماضية برواده وسُمّار المساحات على منصة «تويتر» بشعار (كلنا عمرو بن حبريش): ما علاقة الجنرال ديغول بقضية منع الشيخ عمرو من العودة إلى حضرموت، بكل ما سردته علينا من تاريخ ديغول؟


وأقول: الكثير.. مع احترامي للمقدم عمرو، وتقديري لصانع تاريخ بحجم ديغول!

أنا لا أنزل بالجنرال ديغول لمقارنته بالمقدم/الشيخ عمرو، ولا أرفع بهذا الزعيم القبلي فوق التاريخ والجغرافيا والثقافة، ولا أعدّ ثقافتنا دون الفرنسية، ولكن أريد القول: إن عمراً تبنّى مطالب حضرموت وأعاد للأذهان طموح الحضارم في دور وطني وإقليمي هم جديرون به بعد أكثر من نصف قرن من التهميش واستنزاف الموارد، ولكنه ظل أسير ذهنية اجتماعية عاجزة عن قبول المشاركة في مجتمع فُككت وحدته وأضعفت إرادته التبعيةُ، وهو أمر لن يحوّل مجرد مطالب حضرموت إلى مشروع سياسي دون قيادة ورؤية.

خاض حلف قبائل حضرموت معركة فرضتها الإمارات العربية المتحدة عليه عبر القوى التي صنّعتها ممثلةً في الانتقالي الجنوبي، وما كان لِيُكْتَب لها النجاح لولا أن لمشروع إخضاع حضرموت أهدافاً أبعد من اليمن وأخطر على الأمن القومي العربي من خلال محاصرة السعودية —الدولة القائدة— وهو ما حرّك القيادة السعودية لنصرته، وتحرير حضرموت من أن تكون جزءاً من ذلك المشروع.


ليقدم في يناير إلى المملكة العربية السعودية دون رؤية سياسية تتضمن أهدافاً استراتيجية لدور حضرمي واضح يمنياً وإقليمياً، فضلاً عن غياب قيادة سياسية جامعة للمجتمع بمختلف مكوناته.. وكانت الفرصة مواتية لتفعيل «المؤتمر الحضرمي الجامع» على الصعيد السياسي والمجتمعي، أو دعوة مختلف القوى السياسية والاجتماعية إلى مؤتمر استثنائي يفضي إلى تشكيل قيادة ينقاد لها وتَقودها.. وفي هذا الجانب طالبه البعض منا —وأنا أحد من طالبوا بذلك— ولكن التجاوب كان غائباً مع الأسف.


فهل يدرك رافعو شعار (كلنا عمرو بن حبريش) لماذا تحدثنا عن الجنرال ديغول؟ ليس للمقارنة وإنما لضرب المثل، والتأكيد على أن أي عمل يتطلب رؤية سياسية تأخذ بعين الاعتبار أهمية مصالح الحلفاء وإدراك خطورة الخصوم، وقيادة سياسية للتعاطي مع مختلف القوى المؤثرة في عالم سريع التحولات وكثيف التحديات.


وما حدث يُعد صدمة سيكون لها مردود إيجابي إذا ما أخذناها بجدية وتجاوزناها بمشروع أكبر ورؤية مستقبلية.. فنحن أمام وضع ليس فيه سالم الخنبشي هو المارشال فيليب بيتان، ولا المقدم عمرو هو الجنرال شارل ديغول.. وحضرموت أكبر!!