بعد إيران، هل اقتربت ساعة تفكيك أخطر أذرع طهران في الجزيرة العربية؟
أكتب هذا المقال اليوم، 24 يوليو 2026، وأضع التاريخ في صدره عمدًا.
ليس لأنني أملك معلومة سرية، ولا لأنني أستبق بيانًا عسكريًا لم يصدر، وإنما لأن قراءة السياسة لا تكون ذات قيمة إذا جاءت بعد وقوع الحدث.
وأضع توقعي أمام القارئ بوضوح:
نحن، في تقديري، أمام أسابيع قد تكون الأخطر في تاريخ الحوثي منذ استيلائه على صنعاء، وأعتقد أن الضربات التي غيرت معادلات إيران ستجد امتدادها، بصورة أو بأخرى، إلى ذراعها الحوثية.
وقد لا تعني هذه النهاية اختفاء الحوثي كفكرة أو جماعة بين ليلة وضحاها، لكنها قد تعني شيئًا بالغ الأهمية:
كسر الحوثي كقوة عسكرية إقليمية، ونزع قدرته على استخدام الصواريخ والمسيّرات والبحر الأحمر لفرض إرادته على المنطقة.
وهنا قد تبدأ النهاية الحقيقية.
لم أصل إلى هذا التوقع اليوم
من يعود إلى مقالاتي السابقة سيجد أنني لم أقرأ الحوثي باعتباره ظاهرة يمنية منفصلة عن إيران.
في 16 أكتوبر 2025 كتبت «إمبراطورية الخراب الحوثية»، وذهبت إلى أن الحوثي لم يؤسس دولة قابلة للحياة، وإنما بنى سلطة حرب تعيش على السلاح والخوف والجباية.
وفي اليوم التالي، 17 أكتوبر 2025، حذرت من الاعتقاد بأن تغيير بعض رؤوس الحوثي يعني انتهاء المشكلة، لأن المنظومة التي أوصلته إلى صنعاء كانت جزءًا من الكارثة نفسها.
ثم انتقلت الأحداث من اليمن إلى رأس المشروع.
في 27 أبريل 2026 كتبت «حوار الطرشان» عن مسار المواجهة الإقليمية.
وفي 25 مايو 2026 كتبت «الشيطان الإيراني هو التفاصيل»، وكان جوهر ما قلته أن إيران لا تُقرأ من تصريحاتها، بل من التفاصيل التي تحاول الاحتفاظ بها عندما تتفاوض أو تتراجع.
ومن أهم تلك التفاصيل:
الأذرع.
ثم كتبت في 5 يوليو 2026 «السعودية… وصناعة المستقبل» عن الدولة التي تقرأ المستقبل ولا تنتظر حتى تفرض الأزمات شروطها عليها.
وفي 18 يوليو 2026 طرحت السؤال بصورة أكثر وضوحًا:
«من هرمز إلى خارك… هل اقتربت إيران من خسارة آخر أوراقها؟»
واليوم أصل إلى النتيجة التالية:
إذا بدأت أوراق المركز الإيراني تتساقط، فإن السؤال الطبيعي هو: متى يبدأ سقوط الأطراف؟
وأقرب تلك الأطراف إلى حدود المملكة هو الحوثي.
الخطأ الحوثي الأكبر
أكبر خطأ استراتيجي ارتكبه الحوثي أنه لم يكتفِ بالسيطرة على صنعاء.
لو بقي الحوثي جماعة يمنية تتصارع داخل الجغرافيا اليمنية، لربما استمرت معضلته سنوات أخرى.
لكنه أراد أن يصبح لاعبًا إقليميًا.
أطلق الصواريخ والمسيّرات.
هدد الملاحة.
دخل معادلة البحر الأحمر.
ربط نفسه علنًا بمحور إيران.
وأصبح باب المندب جزءًا من خطابه العسكري.
وبذلك ارتكب الخطأ الذي قد يدفع ثمنه غاليًا:
حوّل نفسه من مشكلة يمنية إلى تهديد إقليمي ودولي.
وهناك فارق هائل بين الاثنين.
المشكلة اليمنية يمكن احتواؤها سياسيًا.
أما تهديد طرق الطاقة والتجارة والملاحة الدولية، فله حسابات أخرى تمامًا.
البحر الأحمر قد يكون بوابة النهاية
هناك حقيقة جغرافية لا يستطيع الحوثي تغييرها.
اليمن يطل على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم.
وهذا منحه قوة لم يكن يحلم بها.
لكنه منحه في الوقت نفسه نقطة ضعف قاتلة.
لأن من يحاول تحويل باب المندب إلى زناد في يد ميليشيا، فإنه لا يستفز خصومه المحليين فقط، بل يمس مصالح دول واقتصادات وأسواقًا وشركات وشبكات إمداد حول العالم.
وهنا تتغير طبيعة المعركة.
ولهذا أعتقد أن البحر الأحمر، الذي منحه نفوذًا أكبر من حجمه، قد يصبح أحد الأسباب التي تعجل بكسر قوته.
لماذا أقول: أسابيع؟
هذه هي النقطة التي أتحمل مسؤولية قراءتي فيها.
لا أتحدث عن نهاية حتمية خلال تاريخ محدد.
لكنني أعتقد أن نافذة زمنية خطرة للغاية بدأت تُفتح أمام الحوثي.
فالمنطقة لم تعد كما كانت قبل أشهر.
والتعامل مع إيران نفسها تغير.
ومفهوم الردع تغير.
والصبر على الوكلاء المسلحين الذين يستطيعون تهديد دول وممرات دولية بدأ يفقد منطقه القديم.
وعندما تتغير قواعد اللعبة مع الأصل، فمن الصعب أن تبقى القواعد القديمة سارية مع الوكيل.
لهذا أقول:
راقبوا الأسابيع المقبلة.
راقبوا الصواريخ.
راقبوا المسيّرات.
راقبوا مراكز القيادة والسيطرة.
راقبوا شبكات التهريب.
راقبوا القيادات العسكرية.
وراقبوا قبل ذلك كله طبيعة الخطاب الدولي تجاه الحوثي.
لأن الانتقال من احتواء الخطر إلى تفكيك مصدر الخطر هو اللحظة التي ستتغير عندها المعادلة كلها.
لن تكون حرب الجبال القديمة
من الخطأ تصور أي مواجهة قادمة وكأنها نسخة من حروب اليمن التقليدية.
التكنولوجيا غيرت الحرب.
لم يعد إسقاط القوة العسكرية يتطلب احتلال كل جبل ووادٍ ومدينة.
يمكن اليوم ضرب العصب بدل مطاردة الأطراف.
منظومات الرادار.
الاتصالات.
مراكز القيادة.
مخازن الصواريخ.
منصات الإطلاق.
شبكات المسيّرات.
الخبراء.
وسلاسل الإمداد.
اضرب الجهاز العصبي، فتفقد الأطراف قدرتها على الحركة.
وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة.
الحوثي ليس إيران
وهنا المفارقة.
إذا تعرضت دولة بحجم إيران لضربات قاسية، فهي تملك مساحة وموارد ومؤسسات وجيشًا وسكانًا وعمقًا جغرافيًا هائلًا يسمح لها بامتصاص جزء من الصدمة.
أما الحوثي؟
فهو تنظيم مسلح تحول إلى سلطة أمر واقع.
وقوته الهجومية مركزة في منظومات محددة.
وله قيادات محددة.
وشبكات إمداد محددة.
ومراكز قيادة محددة.
ولهذا فإن الضربات الدقيقة والمتواصلة لمفاصل قوته قد تكون بالنسبة إليه أكثر إيلامًا مما يتصوره كثيرون.
ما تستطيع دولة امتصاصه، قد لا تستطيع ميليشيا احتماله.
لكن الضربة وحدها لا تنهي الحوثي
وهنا أحذر من خطأ خطير.
إذا تحطمت القوة العسكرية للحوثي غدًا، ثم عادت المنظومة اليمنية القديمة بصراعاتها وفسادها ومحاصصاتها، فنحن لم نحل المشكلة.
بل أعدنا تشغيل المصنع الذي أنتجها.
لقد قلتها سابقًا وأكررها:
لا يمكن لمن كان جزءًا من انهيار الدولة أن يقدم نفسه تلقائيًا بوصفه مشروع الدولة القادمة.
ما بعد الحوثي أخطر من الحوثي نفسه إذا لم يُحسن التعامل معه.
لأن الفراغ لا يبقى فراغًا.
إما أن تملأه دولة حقيقية، أو تملأه ميليشيا جديدة.
والسعودية لن تقبل بدائرة حرب أبدية
المملكة العربية السعودية بنت خلال السنوات الأخيرة مشروعًا اقتصاديًا وتنمويًا هائلًا.
دولة تستثمر في المدن والصناعة والتكنولوجيا والسياحة واللوجستيات والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون مستقبل حدودها الجنوبية رهينة زر صاروخ في كهف، أو قرار يأتي من طهران.
الأمن هنا ليس ملفًا منفصلًا عن التنمية.
بل هو شرطها الأول.
ومن يقرأ التحول السعودي يدرك أن المملكة لا تبني مستقبلها لكي تظل إلى الأبد تطفئ حرائق الماضي.
ولهذا فإنني أعتقد أن مرحلة إدارة الخطر الحوثي لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
في لحظة ما، لا بد أن تنتقل المنطقة من إدارة المشكلة إلى حلها.
وما بعد إيران ليس كما قبلها
الحوثي ارتبط بالمشروع الإيراني عندما كان ذلك المشروع في مرحلة التمدد.
استفاد من المال والخبرة والسلاح والتكنولوجيا والشبكات السياسية.
لكن الوكيل الذي يربط مصيره بقوة إقليمية يجب أن يقبل الحقيقة الأخرى أيضًا:
عندما يتغير مصير المركز، يتغير مصير الأطراف.
وهنا مكمن الخطر على الحوثي.
إذا دخلت إيران مرحلة انكماش استراتيجي، أو أُجبرت على تقليص قدراتها الإقليمية، فإن أذرعها لن تبقى في الوضع نفسه.
وسيكون الحوثي من أهم الاختبارات.
أكتبها اليوم… لكي نعود إليها غدًا
لهذا أسجل توقعي بالتاريخ:
24 يوليو 2026
أرى أن الحوثي يقترب من أخطر منعطف منذ دخوله صنعاء.
وأرى أن الأسابيع المقبلة قد تشهد عمليات نوعية وضربات أكثر قسوة ودقة تستهدف مفاصل قوته العسكرية والقيادية.
وأرى احتمالًا حقيقيًا لأن يبدأ بعدها تراجع قدرته على العمل كذراع إقليمية لإيران.
وقد تبدأ عندها انشقاقات وحسابات داخلية جديدة عندما يشعر المنتفعون من القوة أن القوة نفسها لم تعد قادرة على حمايتهم.
فالأنظمة المسلحة لا تتفكك فقط عندما تفقد السلاح.
تبدأ بالتفكك عندما يفقد رجالها الإيمان بأن المنتصر سيكون هم.
وهذه اللحظة، إن وصلت، ستكون أخطر على الحوثي من الصاروخ نفسه.
النهاية قد تبدأ بصمت
قد لا نشاهد إعلانًا يقول:
«بدأت نهاية الحوثي».
التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
قد تبدأ النهاية بضربة.
ثم أخرى.
ثم فقدان قائد.
ثم انقطاع خط إمداد.
ثم ارتباك قيادة.
ثم خلاف داخلي.
ثم قبيلة تعيد حساباتها.
ثم مسؤول يهرب.
ثم قوة محلية كانت خائفة بالأمس تكتشف أن الجدار أمامها بدأ يتشقق.
وفجأة، يبدو الكيان الذي كان قبل أشهر عصيًا على السقوط أضعف مما اعتقد الجميع.
هكذا تتغير الموازين.
وهكذا سقطت قوى كثيرة قبل الحوثي.
وسؤالي الأخير للحوثي
ماذا لو كانت إيران التي راهنتم عليها منشغلة بإنقاذ نفسها؟
ماذا لو لم تعد الصواريخ التي تفاخرتم بها مصدر قوة، بل أصبحت قائمة أهداف؟
ماذا لو تحول البحر الأحمر من ورقة ابتزاز إلى سبب لاستهدافكم؟
وماذا لو اكتشف من يقاتلون تحت رايتكم أن مشروعكم لم يعد يتجه نحو النصر، بل نحو المجهول؟
عندها لن يكون السؤال:
متى ستُضربون؟
السؤال الحقيقي سيكون:
من سيبقى معكم عندما تبدأ الضربة؟
لقد كتبت عن الحوثي عندما كان يتمدد.
وكتبت عن إيران عندما كانت تفاوض.
وكتبت عن المنطقة عندما بدأت قواعدها تتغير.
واليوم أكتب قبل أن تقع الأحداث التي أتوقعها:
إن صح اتجاه الريح الذي أراه، فنحن لا نراقب فصلًا جديدًا من حرب الحوثي…
بل ربما نراقب بداية فصلها الأخير.
والأيام بيننا.