آخر تحديث :الخميس-16 يوليو 2026-11:35م

من السماء إلى الأرض… هل بدأت المرحلة الأخيرة لإسقاط المشروع الإيراني؟

الخميس - 16 يوليو 2026 - الساعة 09:11 م
م. صالح بن سعيد المرزم


منذ أشهر، لم أتعامل مع المشهد الأمريكي الإيراني باعتباره سلسلة أخبار متفرقة، بل باعتباره مشروعاً استراتيجياً يتحرك على مراحل.


ولهذا كتبت في 25 مايو 2026 في مقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريحات، وإنما في التفاصيل التي تُبنى بصمت، وأن المفاوضات قد تكون جزءاً من إدارة الصراع وليست بديلاً عنه.


ثم عدت بعد ذلك لأوضح في مقال «إيران بعد الحرب… هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟» أن الضربات العسكرية لا تعني نهاية المشروع الإيراني، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، تنتقل فيها المواجهة من استهداف القدرات إلى إعادة رسم الجغرافيا العسكرية.


واليوم، ومع تصاعد الحديث عن سيناريو يعرف عسكرياً بمبدأ «المطرقة والسندان»، يصبح من المشروع إعادة قراءة المشهد من زاوية مختلفة.


هل انتهت مرحلة الجو؟


الحروب الحديثة نادراً ما تبدأ بقوات برية.


تبدأ بالعقوبات.


ثم العزل السياسي.


ثم الضربات الجوية.


ثم شل الدفاعات.


ثم السيطرة على البحر.


ثم تأتي القوات البرية إذا أصبحت كلفتها مقبولة.


ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة الوصول إلى السواحل الإيرانية؟


بل أصبح:


هل أصبحت الظروف العسكرية والسياسية تسمح بذلك؟


لماذا مكران وتشابهار؟


الحديث المتداول يركز على الساحل الجنوبي الشرقي لإيران، وخاصة منطقة مكران وتشابهار.


هذه المنطقة تتميز بأنها:


* بعيدة نسبياً عن الكثافة السكانية الإيرانية.

* تطل على بحر العرب مباشرة.

* تمثل عقدة لوجستية مهمة.

* تشكل ممراً استراتيجياً نحو الداخل الإيراني.


وفي أي سيناريو افتراضي، فإن السيطرة على السواحل تعني خنق الإمدادات القادمة بحراً، وتقليل قدرة القوات الإيرانية على المناورة في الجنوب.


لكن هذا يبقى سيناريوًّا تحليلياً، وليس دليلاً على أن عملية كهذه قد تقرر تنفيذها.


ماذا يعني «المطرقة والسندان»؟


الفكرة تقوم على ضغط متزامن من اتجاهين.


قوات تتقدم من محور بحري أو بري.


وفي المقابل قوة نارية كثيفة تمنع وصول التعزيزات.


وبذلك تجد القوات المدافعة نفسها محاصرة بين المطرقة والسندان.


وهو تكتيك عسكري معروف، لكنه يحتاج إلى شروط سياسية وعسكرية ولوجستية كبيرة حتى يصبح قابلاً للتنفيذ.


أين تقف المملكة العربية السعودية؟


وهنا يجب التمييز بين التحليل والافتراض.


المملكة العربية السعودية تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاستقرار الإقليمي، وهي تركز منذ سنوات على حماية أمنها الوطني، وتأمين الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، ودفع الحلول السياسية متى أمكن.


أما أي حديث عن مشاركة عملياتية مستقبلية في سيناريو عسكري محدد، فلا يمكن الجزم به دون إعلان رسمي أو أدلة موثوقة.


لكن من الواضح أن أي تغير كبير في ميزان القوى داخل الخليج ستكون المملكة لاعباً محورياً في إدارة تداعياته سياسياً وأمنياً واقتصادياً.


هل أصبح الجنوب الإيراني هو نقطة الحسم؟


إذا انتقلت أي مواجهة مستقبلية إلى الجنوب، فلن يكون الهدف مجرد السيطرة على أرض.


بل السيطرة على:


* الموانئ.

* خطوط الطاقة.

* طرق الإمداد.

* حركة الملاحة.

* مداخل مضيق هرمز وبحر العرب.


وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح.


وتصبح السيطرة على الساحل أهم أحياناً من السيطرة على المدن.


الخلاصة


ما نراه اليوم قد لا يكون بداية حرب برية، وقد لا يتجاوز كونه مجموعة سيناريوهات يجري تداولها وتحليلها.


لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة تختلف عن كل ما سبق.


فإذا كانت السنوات الماضية عنوانها العقوبات والضغوط الجوية، فإن المرحلة المقبلة قد تدور حول الجغرافيا، والموانئ، والسواحل، وخطوط الطاقة.


والدول التي قرأت هذه التحولات مبكراً ستكون الأكثر قدرة على حماية مصالحها وصياغة مستقبل المنطقة، بينما ستجد الدول التي تكتفي بردود الفعل نفسها أمام واقع جديد فرضته موازين القوة.