في بلد يقضمه الجوع وينهشه العطش ... تطحنه الحروب كبلادي، وفيه تبدو لقمة العيش غاية بعيدة المنال وحلما عسرا، يستوقف المرء ذلك التناقض الصارخ الذي يجعل الناس يتشبثون بهوس كرة القدم وشغفها بضراوة تقترب من القداسة والعبادة. كيف لليمني المنهك، الذي يتربص به الموت في تفاصيل يومه، أن يمنح روحه وجوارحه لمعارك وهمية تدور رحاها في ملاعب بعيدة، فيبكي لخسارة برشلونة أو ريال مدريد، ويتعصب لميسي اليوم مثلما قدّس الآباء مارادونا بالأمس وعبده من عبد؟ هذا الاندفاع ليس هروبٌ مؤقت من بؤس الواقع، إنما بحث عميق في أغوار النفس البشرية عن هوية مفقودة، وانتصار بالوكالة في زمن انكسرت فيه كل الانتصارات الشخصية.
يعيدنا هذا الشغف المبكر إلى طفولتنا، حين كان معلم الرياضة البدنية يحتل في ذاكرتنا مكانة مختلفة عن بقية المدرسين. كانت حصته المتنفس الوحيد الذي يتراجع فيه ثقل الانضباط المدرسي، ليحل محله صوت الصفارة ولهفة التنافس. أترحم هنا على أستاذنا في المرحلة الابتدائية، فيصل غني، ذلك الرجل المرح الذي اشتهر بلكماته الخفيفة على رؤوسنا، والتي كنا نستقبلها بضحك غامر لا بألم. لقد لمح في هدوئي ميلاً للتأمل فوجهني نحو رقعة الشطرنج، رغم أن كرة القدم كانت عالمي الأول والوحيد. وفي الثانوية، أضاف الأستاذ صالح سعيد بعداً آخر عندما رشحني لسباقات الضاحية عوضاً عن منتخب المدرسة لكرة القدم، لتتسع رؤيتي للرياضة من كونها مجرد ركل للكرة إلى تجربة متكاملة يتكامل فيها الجسد والعقل ويصنع كل منهما الآخر.
ورغم أنني كنت قائد فريق الحارة، وكانت الكرة أقرب إلى قدمي من الكتاب، إلا أنني لم أحظ بفرصة تمثيل منتخب المدرسة وإعجاب الفتيات. ظل هذا الحلم البعيد يولد في داخلي تساؤلاً رافقني لسنوات: هل تكفي الموهبة وحدها؟ ومع مرور الوقت، أدركت أن الحياة، كأي مباراة، لا تكتفي بالكفاءة بل تتداخل فيها الأقدار والظروف والعلاقات، ومن هنا تحول اهتمامي بالرياضة من اللعب إلى التأمل فيها كظاهرة اجتماعية ونفسية بالغة التعقيد.
تتجلى هذه الظاهرة بأوضح صورها في الثنائية التاريخية التي انقسم حولها العالم بين ميسي ورونالدو. ظاهرياً، يبدو الخلاف متمحوراً حول الأهداف والبطولات، لكنه في العمق يلامس وتراً نفسياً دقيقاً. أراقب هذا الانقسام الحاد في المجالس وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى داخل بيتي بين أولادي، يتحول النقاش البسيط حول لقطة عابرة إلى جدل مشحون يستميت فيه كل طرف في حشد الأرقام، وتجاهل الحقائق التي لا تخدم فكرته. إن هؤلاء لا يدافعون في الحقيقة عن لاعبين بحد ذاتهم، بل يدافعون عن مرآة يرون فيها ذواتهم؛ فأنصار ميسي يجدون في موهبته الفطرية العفوية انتصاراً للجمال الإلهي الخالص، بينما يرى أنصار رونالدو في انضباطه الحديدي وإرادته دليلاً على أن الإنسان قادر على صناعة معجزته الخاصة بالجهد والكفاح.
وهنا تلتقي الرياضة بنظرية الهوية الاجتماعية، إذ يبني الإنسان جزءاً من صورته الذاتية وصحته النفسية عبر الانتماء إلى جماعة أو رمز يمثله، فيتحول نجاح هذا الرمز إلى نجاح شخصي يرمم به المشجع شروخه الداخلية، ويصبح أي نقد يوجه إليه بمثابة مساس بالذات وتهديد لكينونته. في هذه الحالة، يعطل التحيز التأكيدي العقل تماماً، فيصبح الاعتراف ببراعة الخصم تراجعاً عن جزء من الهوية، وهو ما يفسر عدم قدرة المشجع على قول الحق حتى في لقطة واضحة. وهذه الآلية النفسية ذاتها هي التي تجعل المرء يرفض فكرة سياسية أو فكرية صائبة لمجرد أنها صدرت عن خصمه؛ إذ يتقدم الولاء على الحقيقة، ويسبق الانتماء البرهان.
وإذا كان عالم الاجتماع بيير بورديو يرى في الرياضة حقلاً يعاد فيه إنتاج المكانة الاجتماعية ورأس المال الرمزي، فإنها تمثل أيضاً شكلاً مهذباً ومضبوطاً من الصراع الإنساني يحول دون تفجر العنف العشوائي. في اليمن، تجسدت هذه الفكرة بوضوح في بطولة خليجي عشرة عام ألفين وعشرة، حين توحد اليمنيّون إلا من أبى خلف الشعار الرياضي، وقدموا للعالم صورة مدهشة عن بلدهم المتعطش للحياة. لكن هذا المشهد السلمي لم يدم؛ فعندما غابت الدولة واندلعت الحرب، تضررت الملاعب وتلاشت المؤسسات التي تضبط التنافس السلمي.
إن غياب القواعد لا ينهي رغبة الإنسان الأزلية في الصراع والتميز، لكنه ينقلها إلى ساحات دموية وحشية غابويّ’؛ وحين يختفي القانون الحاكم، يحل منطق القوة وتتحول المنافسة من لعبة تحكمها اللوائح إلى صراع بقاء مفتوح لإعادة توزيع النفوذ والثروة بالدم والنار.
سيرحل ميسي ورونالدو عن الملاعب كما رحل مارادونا وغيره، وستطل وجوه جديدة تلهب حماس الجماهير، لكن السؤال الفلسفي يظل قائماً: لماذا يحتاج الإنسان دوماً إلى بطل يختزل فيه أحلامه وانتماءه؟ كلما تأملت هذه الرحلة الممتدة من ملاعب الطفولة إلى سوسيولوجيا الرياضة، تزداد قناعتي بأن الرياضة تكشف جوهر الإنسان أكثر مما تكشف مهارة اللاعب. إنها تعلمنا كيف نخلق الرموز وكيف نتطرف في تقديسها، ليبقى الفوز الحقيقي خارج المستطيل الأخضر تماماً؛ إنه يكمن في قدرتنا على الاختلاف دون أن يفقدنا الصراع إنسانيتنا، وفي استمتاعنا بجمال اللعبة دون أن نحولها إلى مقصلة للهوية.