آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-11:08م

مضيق هرمز… بين الأمن والابتزاز!

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - الساعة 05:38 م
م. صالح بن سعيد المرزم


حين تتحول القوة العسكرية إلى شركة جباية، وتصبح الممرات البحرية سلعة تُباع وتُشترى، فإننا لا نكون أمام سياسة خارجية، بل أمام نموذج جديد من الابتزاز الدولي.


التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي قال فيها إن الولايات المتحدة لن تحمي مضيق هرمز مجانًا، وإن على الدول أن تدفع مقابل تلك الحماية، ليست مجرد تصريحات انتخابية أو إعلامية، بل هي إعلان صريح عن فلسفة سياسية جديدة تقوم على مبدأ: “ادفع أولًا… ثم تحصل على الأمن.”


وهذا أخطر بكثير من مجرد المطالبة بتقاسم التكاليف.


لقد اعتادت الولايات المتحدة لعقود أن تقدم نفسها بوصفها الضامن للنظام الدولي، وحامية حرية الملاحة، والمدافع عن أمن التجارة العالمية. لكنها اليوم تعلن، بلسان رئيسها، أن تلك الحماية لم تعد التزامًا دوليًا، وإنما خدمة مدفوعة الثمن.


وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.


فمضيق هرمز ليس ممرًا لدولة واحدة، ولا يخدم اقتصاد دولة بعينها، وإنما هو شريان رئيسي للاقتصاد العالمي، وتعتمد عليه أسواق الطاقة والتجارة الدولية بأكملها. وبالتالي فإن تحويل أمنه إلى “فاتورة” يعني تحويل القانون الدولي إلى عقد تجاري، وتحويل الأمن الجماعي إلى مشروع استثماري.


وهذا التحول يكشف حقيقة طالما حاولت واشنطن إخفاءها.


فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يكن يومًا عملًا خيريًا، ولم يكن دفاعًا مجانيًا عن الاستقرار، بل كان جزءًا من منظومة مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية. واليوم لم يعد هناك حتى محاولة لتجميل الصورة؛ فالخطاب أصبح أكثر صراحة: الحماية لها سعر.


لكن السؤال الأكثر أهمية هو:


إذا كانت أمريكا ستتقاضى أجرًا مقابل حماية الممرات البحرية، فمن سيدفع ثمن الأزمات التي ساهمت سياساتها في صناعتها؟ ومن سيحاسبها على الحروب التي أرهقت المنطقة، وأعادت تشكيلها بما يخدم مصالحها؟


إن من يقرأ التاريخ الأمريكي يدرك أن واشنطن كثيرًا ما قدّمت نفسها باعتبارها رجل الإطفاء، بينما كانت في أحيان كثيرة أحد أسباب اشتعال الحريق. ثم تعود لتبيع خدمات الإطفاء للدول المتضررة.


إنها معادلة اقتصادية شديدة الذكاء، لكنها سياسيًا وأخلاقيًا تثير أسئلة كبيرة.


وقد حذرت في مقالات سابقة من أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، وأن التحالفات القديمة لم تعد تُدار بالعواطف أو بالشعارات، وإنما بمنطق المصالح المباشرة.


ففي مقال “إيران بعد الحرب…” بتاريخ 30 يونيو 2026، أوضحت أن المنطقة مقبلة على إعادة تموضع للقوى الدولية، وأن الأدوات ستتغير بينما تبقى المصالح ثابتة.


وفي مقال “حوار الطرشان…” المنشور بتاريخ 8 يوليو 2026، أشرت إلى أن ما يجري ليس خلافًا عابرًا، بل إعادة صياغة لقواعد اللعبة الإقليمية، وأن كثيرًا من المواقف السياسية ليست سوى إدارة للمصالح تحت عناوين مختلفة.


ثم جاء مقال “السعودية… وصناعة المستقبل” بتاريخ 6 يوليو 2026 ليؤكد أن الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى هي وحدها القادرة على التعامل مع هذه التحولات دون أن تتحول إلى رهينة للابتزاز السياسي أو الاقتصادي.


واليوم تأتي تصريحات ترامب لتضيف دليلاً جديدًا على صحة تلك القراءة.


إن العالم يتغير بسرعة.


والدول التي تبني أمنها بالكامل على قوة خارجية، ستكتشف عاجلًا أو آجلًا أن الأمن المستورد ليس مجانيًا، وأن الفاتورة قد تصل في أكثر اللحظات حساسية.


أما الدول التي تستثمر في بناء قوتها الذاتية، وتنويع شراكاتها، وتعزيز اقتصادها، وتطوير صناعاتها العسكرية، فإنها تقلل من قدرتها على التعرض لأي ابتزاز، مهما كان مصدره.


ومن هنا تتجلى أهمية ما تقوم به المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030؛ فتنويع الاقتصاد، وتوطين الصناعات العسكرية، وبناء الشراكات الدولية المتوازنة، ليست مجرد مشاريع تنموية، بل أدوات استراتيجية لحماية القرار الوطني واستقلاله.


لقد دخل العالم مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحماية تُمنح مجانًا، ولم تعد التحالفات تُدار بالشعارات، بل بحسابات الربح والخسارة.


ومن لا يقرأ هذه المرحلة جيدًا، سيدفع الثمن… وربما أكثر من مرة.