منذ سنوات تشرفت بزيارة الشيخ الشاعر الموسوعي الحكيم صالح العرماني في منزله شرق مدينة مودية، واستمر ذلك اللقاء قرابة ساعتين أو ثلاث، ولم يكن الأول من نوعه، فقد سبقته لقاءات أخرى. غير أن هذا المجلس ظل عالقًا في الذاكرة بما حواه من فيض العلم وغزارة الرواية.
دخلت المجلس وأنا أمني النفس بسماع شيء من شعر الشيخ وأخباره، فاتخذت من السؤال عن والده مدخلًا للحديث عن سيرته. فإذا به يفتح أبواب ذاكرته على مصاريعها، فتدفقت منها أشعار والده، وأشعار شعراء عصره، وأخبارهم، وأسماء كثير من الأدباء والرواة الذين لم تنلهم شهرة واسعة، ثم أخذ يروي القصص التي أحاطت ببعض القصائد، وينتقل بنا بين الوقائع والأحداث والأنساب والنوادر انتقال العارف الذي عاش تلك المرحلة أو تلقاها عن أوثق مصادرها.
ولطالما تحسرت أنني لم أسجل ذلك المجلس؛ إذ لو فعلت لخرجت منه بكراسة حافلة بالعلم والأدب. وهذا مجلس واحد فقط، فكيف لو تهيأ الجلوس إلى الشيخ ثلاثين أو أربعين أو خمسين مجلسًا؟! لعل حصيلة ذلك تكون مجلدًا ضخمًا يناهز خمسمائة صفحة، يمكن أن يحمل عنوان «أمالي العرماني»، يحفظ للأجيال ثروة من الأشعار والأخبار والروايات والأحداث التي ستذبل، ثم تموت بموت صاحبها، وتوارى معه في قبره، أطال الله عمره في طاعته، وأحسن ختامه.
ومن هنا فإنني أوجه نداءً إلى شباب دثينة، ولا سيما المهتمين بالتراث والأدب والتاريخ، أن يبادروا إلى مجالسة الشيخ، وتسجيل أماليه، أو إعداد سلسلة من الحلقات الصوتية والمرئية (بودكاست)، يستخرجون بها ما اختزنته ذاكرته من كنوز لا تقدر بثمن، قبل أن يطويها النسيان.
وأقول ذلك وأنا أدرك أن الجهل بقيمة التراث، وضعف الوعي بأهمية توثيقه، لا يزالان يفرضان حضورهما في منطقتنا؛ حتى غدا كثير من الناس، على اختلاف مواقعهم بين مثقف ومتعلم وناشط ومسؤول ورجل أعمال، لا يدركون أنهم يشهدون تراثهم وهو يتساقط من بين أيديهم كما تتساقط حبات الرمل من الكف، فتذروها رياح الزمن في أودية النسيان.
إنها كلمات يعتصرها الأسى، ويمليها الألم، وتحركها الحسرة على ما ضاع، وعلى ما هو مهدد بالضياع. وما يزال الأمل معقودًا على من يدرك قيمة هذا الإرث، فيسارع إلى حفظه قبل أن يصبح خبرًا بعد عين.
﴿وَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)
*أبو زين الوليدي*
١٠ يوليو ٢٠٢٦م