قراءة قانونية في ضوء قضية اللواء ثابت جواس والقانون الدولي الإنساني والتشريع اليمني
بقلم /ايهاب ايسار فيصل
برز في المشهد الجنوبي النفير القبلي التي دعت اليه قبائل ردفان الابية حول اعتراضهم عن تبديل قتلة اللواء ثابت جواس باسرى الحرب، الاشكالية ليست هنا ولكن تكمن في كيف اكتسب قتلة الشهيد اللواء جواس صفة اسرى حرب، لان المعروف ان منفذين العملية الاجرامية نفذوها في المدينة الخضراء وبالتالي فهم متهمين بجريمة، الأمر الذي يفرض سؤالًا قانونيًا لا سياسيا: هل يجوز أن يتحول متهم بجريمة اغتيال إلى أسير حرب بمجرد إدراجه في اتفاق لتبادل الأسرى؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي العودة إلى النصوص القانونية لا إلى المواقف السياسية.
لقد وضعت اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 تعريفًا دقيقًا لأسرى الحرب. وتنص المادة (4) منها على أن صفة أسير الحرب تثبت لفئات محددة من الأشخاص الذين يقعون في قبضة الخصم أثناء النزاع المسلح، وفي مقدمتهم أفراد القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة التي تستوفي الشروط القانونية. ويستفاد من هذا النص أن صفة الأسير ليست صفة سياسية، وإنما مركز قانوني ينشأ نتيجة طريقة القبض على الشخص وطبيعة النزاع والظروف التي أُسر فيها.
وتؤكد المادة (5) من الاتفاقية ذاتها أن أي خلاف حول استحقاق هذه الصفة لا يُحسم بالإعلانات السياسية أو الاتفاقات الإعلامية، وإنما بواسطة جهة مختصة وفق القانون. وهو ما يعني أن وصف شخص بأنه "أسير" ليس أمرًا جوازيًا يخضع لإرادة أطراف النزاع، بل مسألة قانونية تحكمها شروط موضوعية.
أما في النزاعات المسلحة غير الدولية، وهي الحالة التي تنطبق على النزاع اليمني في جانب كبير منه، فإن المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع توجب معاملة جميع الأشخاص المحتجزين معاملة إنسانية، لكنها لا تمنحهم صفة أسرى الحرب، ولا تنزع عن الدول حقها في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجنائية أمام القضاء الوطني.
ويعزز هذا الاتجاه البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، الذي ينظم حماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، دون أن ينشئ نظامًا قانونيًا لأسرى الحرب كما هو الحال في النزاعات الدولية. ومن ثم فإن مجرد انتماء الشخص إلى أحد أطراف النزاع لا يكفي لمنحه مركز أسير حرب إذا كان القبض عليه قد تم في إطار إنفاذ القانون بسبب اتهامه بجريمة جنائية.
وفي التشريع اليمني، لا يوجد أي نص يجيز تحويل المتهم في جريمة قتل عمد أو اغتيال إلى "أسير". بل إن قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994 اعتبر القتل العمد من أخطر الجرائم الماسة بحق الإنسان في الحياة، ورتب عليها عقوبات وحدد الحقوق الناشئة عنها. كما أن قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994 رسم طريقًا واضحًا لملاحقة المتهمين يبدأ بالتحقيق أمام النيابة العامة، ثم المحاكمة أمام القضاء المختص، وصولًا إلى تنفيذ الأحكام، بما يضمن حقوق المجتمع والمتهم وأولياء الدم.
ومن هنا يبرز الفارق الجوهري بين الأسير والمتهم. فالأسير يقع في قبضة الخصم نتيجة العمليات العسكرية، بينما المتهم يخضع لإجراءات الضبط والتحقيق والمحاكمة بسبب الاشتباه في ارتكابه جريمة معاقبًا عليها قانونًا. واختلاط هذين الوصفين يؤدي إلى اضطراب خطير في النظام القانوني، لأنه ينقل القضية من ميدان العدالة إلى ميدان التفاوض.
وفي هذا السياق، تكتسب قضية اللواء ثابت جواس أهمية خاصة. فبعيدًا عن المواقف السياسية، فإن القضية – من حيث طبيعتها القانونية – ترتبط بجريمة اغتيال خضعت لإجراءات قضائية داخل الدولة، وليست واقعة أسر في ساحة معركة. فإذا كان القبض على المتهمين قد تم بوصفهم مشتبهًا بهم في جريمة جنائية، فإن مركزهم القانوني تحدده قواعد العدالة الجنائية اليمنية، وليس قواعد أسرى الحرب.
ولا يعني ذلك إنكار حق أطراف النزاع في التوصل إلى اتفاقات لتبادل المحتجزين، فالاتفاقات السياسية قد تكون أداة لتخفيف المعاناة الإنسانية وبناء الثقة. إلا أن الاتفاق السياسي لا يغير من الطبيعة القانونية للشخص ولا من وصف الجريمة. فالسياسة قد تُنتج التزامًا تفاوضيًا، لكنها لا تُعيد تعريف المفاهيم القانونية التي استقرت عليها اتفاقيات جنيف والقانون الوطني.
ومن زاوية دستورية، فإن مبدأ سيادة القانون يقتضي خضوع الجميع للقضاء، وعدم تعطيل اختصاصه إلا وفق أحكام القانون. كما أن احترام حقوق الضحايا وأولياء الدم ليس مجرد اعتبارات أخلاقية، بل حقوق يحميها القانون، ولا يجوز إهدارها أو الالتفاف عليها تحت أي مسمى.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدول الخارجة من النزاعات ليس إبرام الاتفاقات السياسية، وإنما الحفاظ على التوازن بين مقتضيات السلام ومتطلبات العدالة. فالسلام الذي يقوم على إضعاف القضاء يظل سلامًا هشًا، بينما السلام الذي يحترم القانون يؤسس لدولة مستقرة ومؤسسات قوية.
ولذلك، فإن النقاش حول إدراج متهمين في قضايا اغتيال ضمن قوائم تبادل المحتجزين يجب أن يبقى نقاشًا قانونيًا موضوعيًا، يميز بين المركز القانوني للأسير والمركز القانوني للمتهم، ويحافظ على هيبة القضاء، ويصون حقوق الضحايا، ويمنع أن تتحول الجرائم الجنائية إلى مجرد أوراق تفاوض.
إن قضية اللواء ثابت جواس، بما تمثله من رمزية عسكرية ووطنية، ليست مجرد قضية تخص شخصًا أو أسرة، وإنما تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية مبدأ سيادة القانون. فحين يصبح من الممكن إعادة توصيف المتهمين بجرائم جنائية باعتبارهم "أسرى" خارج الضوابط القانونية، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بقضية واحدة، بل بمستقبل العدالة ذاته، وبما إذا كانت النصوص القانونية ستظل هي المرجع، أم أن المرجع سيصبح موازين السياسة وتقلبات التفاوض.