بقلم: عدنان بن عفيف
ليست الأزمات الكبرى مجرد اختبار لقدرة الحكومات على إدارة الواقع، وإنما هي أيضاً امتحان حقيقي لصلابة العلاقات بين الشعوب والدول، ولمقدار الوفاء الذي يترجم في المواقف قبل الأقوال. وفي هذا السياق، جاءت المولدات الكهربائية الإسعافية المقدمة من المملكة العربية السعودية إلى حضرموت لتؤكد مرة أخرى أن العلاقات السعودية الحضرمية ليست وليدة ظرف سياسي عابر، ولا استجابة لحالة طارئة فحسب، وإنما امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من الأخوة والتكافل والتاريخ المشترك.
فحين اشتدت معاناة المواطنين مع الانقطاعات الكهربائية القاسية، وفي ظل الظروف الاقتصادية والخدمية التي يعيشها اليمن عموماً وحضرموت على وجه الخصوص، حضرت المملكة كما اعتادت دائماً في المحطات الصعبة، لتقدم دعماً عملياً يخفف من معاناة الناس ويحافظ على الحد الأدنى من استقرار الخدمات الأساسية.
ولم يكن هذا الموقف استثناءً في سجل المملكة، بل امتداداً لمسيرة ممتدة عبر عقود، وقفت خلالها إلى جانب اليمن في مختلف المراحل والمنعطفات التاريخية، وقدمت الدعم السياسي والاقتصادي والإغاثي والإنساني، وأسهمت في تنفيذ مشاريع تنموية وخدمية لا تزال آثارها حاضرة في مختلف المحافظات، وفي مقدمتها حضرموت التي حظيت بعناية خاصة انطلاقاً من عمق الروابط الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تجمع أبناءها بالمملكة.
لقد أدركت المملكة منذ وقت مبكر أن استقرار حضرموت ليس شأناً محلياً فحسب، بل يمثل ركيزة مهمة لاستقرار اليمن والمنطقة، ولذلك استمرت في دعم المؤسسات، والمشروعات، والبنية التحتية، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية، في صورة تعكس سياسة ثابتة تقوم على مساندة الأشقاء دون ضجيج، والعمل بروح المسؤولية والشراكة.
وفي الداخل الحضرمي، يأتي الإعلان عن تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت الدكتور سالم أحمد الخنبشي، باعتباره خطوة سياسية تستحق القراءة الهادئة بعيداً عن ردود الفعل المتعجلة أو الأحكام المسبقة.
فحضرموت، بما تمثله من ثقل جغرافي وسياسي واجتماعي، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إطار جامع يوسع مساحة الحوار، ويقرب وجهات النظر، ويستوعب مختلف المكونات الوطنية والمجتمعية، بما يعزز وحدة القرار المحلي، ويمنح المنطقة قدرة أكبر على مواجهة تحدياتها المتراكمة.
ولا يعني ذلك أن أي قرار جديد سيكون بمنأى عن النقد أو المراجعة، فالنقد المسؤول حق مشروع، بل ضرورة لتقويم الأداء. غير أن الإنصاف يقتضي أيضاً منح المبادرات الجديدة فرصتها الطبيعية لإثبات جديتها، وإتاحة الوقت الكافي لترجمة أهدافها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
إن نجاح أي مجلس أو مؤسسة لا يقاس فقط بما يكتب في قرارات التأسيس، وإنما بما يحققه من قدرة على جمع الكلمة، وبناء الثقة، وإدارة الاختلاف، وتحويل الطموحات إلى برامج عملية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
واليوم، يقف الحضرمي البسيط أمام استحقاق مختلف؛ فهو لم يعد منشغلاً كثيراً بسجالات السياسة بقدر انشغاله بالكهرباء، ,والأسعار، والمياه، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، والأمن، والاستقرار، والتنمية المستدامة. وهذه المطالب المشروعة لا يمكن تحقيقها إلا في ظل بيئة يسودها التوافق، وتغلب فيها لغة العقل على الانفعال، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
إن الحكمة الحضرمية التي اشتهر بها أبناء حضرموت عبر التاريخ تستدعي من الجميع ـ سلطةً ومكوناتٍ سياسيةً واجتماعيةً ونخباً ومواطنين ـ تغليب منطق الشراكة، وتوسيع دوائر الثقة، وإعلاء قيمة الحوار، لأن الانقسام لا يصنع تنمية، والتنازع لا يبني أوطاناً.
وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد قدمت نموذجاً عملياً في الوقوف مع حضرموت واليمن في أحلك الظروف، فإن الواجب الوطني يقتضي أن يقابل هذا الدعم بإرادة داخلية صادقة، تتجاوز الخلافات، وتستثمر الفرص، وتؤسس لمرحلة يكون عنوانها العمل المشترك لا الاصطفافات، والبناء لا الخصومات.
لقد أثبتت التجارب أن الأمم التي تمنح نفسها فرصة للتوافق، وتحتكم إلى الحكمة، تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، بينما تستنزفها الخصومات عندما يتحول الاختلاف إلى غاية بحد ذاته.
ويبقى الأمل قائماً بأن تكون هذه التطورات، من الدعم السعودي المتواصل، إلى الخطوات التنظيمية الجديدة داخل حضرموت، بداية لمسار أكثر نضجاً، يضع مصلحة الإنسان الحضرمي فوق كل اعتبار، ويقود إلى واقع يستحقه أبناء هذه البلاد العريقة؛ واقع تسوده التنمية، ويعمه الأمن، وتترسخ فيه مؤسسات الدولة، ويشعر المواطن أخيراً أن المستقبل بات أقرب مما كان.