آخر تحديث :الأحد-25 أكتوبر 2026-11:26ص

إصلاح التعليم أم إصلاح الدولة؟

السبت - 04 يوليو 2026 - الساعة 08:04 ص
ايهاب ايسار فيصل


ليس السؤال الحقيقي هو لماذا فشل التعليم العربي، بل هو لماذا فشلت الدولة العربية في بناء تعليم يقدر على إنتاج المعرفة. قد يبدو السؤالان متشابهين، لكنهما مختلفان جذرياً. السؤال الأول يركز على الأزمة داخل جدران المدرسة، بينما السؤال الثاني يضع الأزمة في إطار أوسع يشمل نية الدولة، وطبيعة السلطة، وثقافة المجتمع، والاقتصاد، والفلسفة التي تحدد علاقة المعرفة بالإنسان. حيثما أمكن، أرى أن النظر إلى هذه العوامل يفتح باب تحسين التعليم.

منذ أكثر من نصف قرن، لا تزال الحكومات العربية تعلن عن مشاريع إصلاح التعليم. تغيرت أسماء الوزارات وتبدلت المناهج، حيثما أمكن أضيفت الحواسيب والسبورات الذكية. ارتفعت أعداد الجامعات وتضاعف عدد الخريجين. لكن النتيجة بقيت على حالها: المدارس تنتج الحفظ أكثر من الفهم، الجامعات تمنح الشهادات أكثر من المعرفة، وأسواق العمل تستورد الخبرات الأجنبية رغم وجود ملايين الخريجين. من وجهة نظري، السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل كانت مشاريع الإصلاح تستهدف بناء إنسان جديد، أم كانت تسعى فقط إلى تجميل نظام تعليمي فقد روحه؟

أنا أرى أن الخطأ الأكبر في التجربة العربية هو اختزال التعليم في المناهج فقط. يبدو أن المشكلة كلها في كتاب يحتاج تعديل، أو في مادة دراسية يجب حذفها أو إضافتها. الحقيقة أن المنهج يعكس فلسفة المجتمع والدولة. لا يمكن للمنهج الحديث أن ينجح في نظام سياسي يخشى حرية التفكير، ولا يمكن للمنهج أن يُدرِّس الإبداع في بيئة تعاقب المبادرة وتكافئ الطاعة. التعليم لا يعمل في فراغ، بل يعمل داخل منظومة كاملة. إذا كانت هذه المنظومة تعاني من الاستبداد والبيروقراطية وضعف المؤسسات وغياب المساءلة، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك في التعليم. المدرسة ليست جزيرة منعزلة، بل المدرسة مرآة صغيرة للدولة. لذلك كثيرًا ما تكون المدرسة العربية مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الواقع، لا لتغييره. المدرسة تعلم الطالب حفظًا، لكن المدرسة لا تعلم الطالب التفكير. المدرسة تعلم الطالب الإجابة، لكن المدرسة لا تعلم الطالب السؤال. المدرسة تعلم الطالب النجاح في الامتحان، لكن المدرسة لا تعلم الطالب النجاح في الحياة.

العالم الآن لا يقيس تقدم الدول بعدد الجامعات ولا بعدد المتعلمين؛ حيثما أمكن، يركز العالم على قدرة الدول على خلق المعرفة وتطوير الابتكار. التعليم العربي لا يزال يقتصر على قياس النجاح عبر درجات الامتحانات؛ التعليم يتعامل كأن ورقة الإجابة هي النهاية. الثقافة التعليمية العربية ما زالت عالقة بنموذج من القرن التاسع عشر؛ النموذج كان يهدف إلى إعداد موظفين لإدارة شؤون الدولة. القرن الحادي والعشرون يحتاج إلى باحثين ومبتكرين ورواد أعمال ومفكرين؛ القرن الآن يتطلب هؤلاء. المدرسة العربية ما زالت تخرج أجيالاً تتبع الطاعة أكثر من اتخاذ المبادرة؛ المدرسة تفضّل التلقي على النقد. حيثما أمكن، لا يمكن فصل ذلك عن طبيعة الدولة العربية الحديثة، التي أصبحت في أغلبها دولة مركزية تسيطر على القرار والمعرفة معًا. كما تتركز السلطة السياسية في القمة، تتركز السلطة التعليمية أيضًا. الوزارة تقرر، والمدرسة تنفذ، والمعلم يلتزم، والطالب يتلقى. وفي هذه السلسلة الطويلة يختفي الحوار، ويختفي التفكير، وتختفي الحرية.

في رأيي، أخطر شيء في المنظومة هو أن المنظومة لا تخشى الجهل، بل تخشى العقل النقدي. المواطن الذي يحفظ أسهل في الإدارة من المواطن الذي يسأل. الطالب الذي يكرر النصوص يزعج أقل من الطالب الذي يناقش النصوص. ولهذا يصبح التعليم أداة تحافظ على البنية القائمة، لا وسيلة لتغيير البنية. يمكن فهم سبب تعثر معظم مشاريع الإصلاح، حيثما أمكن. مشاريع الإصلاح تحاول تحديث الأدوات، لكن مشاريع الإصلاح لا تمس الفلسفة التي تقوم عليها المنظومة. مشاريع الإصلاح تغير شكل الكتاب، لكن مشاريع الإصلاح لا تغير طريقة التفكير. دخلت التكنولوجيا إلى الفصول، لكنها تركت العقل بعيدًا عن عملية التعلم. في رأيي، المثال الواضح هو الهوس بالتحول الرقمي. أنفقت بعض الدول العربية مليارات الدولارات على الأجهزة والمنصات الإلكترونية، ولكنها لم تستثمر بالمثل في إعداد المعلم، أو في تنمية التفكير النقدي، أو في تعديل فلسفة التعليم. حيثما أمكن، كان من الأفضل أن يُخصص جزء من هذه الأموال لتدريب المعلمين. وبالتالي صارت التكنولوجيا مجرد وسيلة جديدة لإعادة إنتاج التعليم التقليدي، بدلاً من أن تكون أداة لتغييره. ولا تقل الجامعة العربية عن المدرسة في الأزمة. غالبًا ما تعيش الجامعة العربية منعزلة عن المجتمع؛ لا تستفيد الصناعة من أبحاثها، ولا تُبنى السياسات العامة على دراساتها، ولا من وجهة نظري، الاقتصاد يحتاج إلى مخرجاته حيثما أمكن. كثيرًا ما يصبح البحث العلمي مجرد وسيلة للترقية الأكاديمية، وليس أداة لإيجاد حلول حقيقية لمشكلات المجتمع. إذا لم تنتج الجامعة معرفة، إذا لم تؤثر الجامعة في القرار، إذا لم تقود الجامعة التنمية، فإن الجامعة تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة تمنح شهادات فقط، ولا تصبح مؤسسة تصنع المستقبل.

الحديث عن إصلاح التعليم يبقى غير كامل إذا تجاهلنا مكانة المعلم، حيثما أمكن. المعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة؛ المعلم هو المهندس الأول لعقل الطالب. عندما تنخفض قيمة المعلم المادية والاجتماعية، يدفع المجتمع كله الثمن. لا يمكن لأي دولة أن تطلب من معلميها بناء المستقبل، بينما تعامله كأضعف حلقة في نظام التنمية. ثم تظهر المشكلة الثقافية، وهي ربما أصعب مشكلة. ما زالت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية تنظر إلى التعليم كطريق إلى الوظيفة فقط، لا كطريق إلى المعرفة. لذلك تتحول الشهادة إلى هدف بحد ذاتها، لا تظل وسيلة لبناء الكفاءة. وانتقل الاهتمام أبدأ بالسؤال: ماذا تعلم الطالب؟ ثم أطرح سؤالًا أبسط: ما هي الشهادة التي يحملها الطالب؟ هذا الواقع أدى إلى زيادة عدد الخريجين، لكنه لم يخلق مجتمعات معرفة. ليس كل متعلم يصبح مثقفا، ولا كل خريج يصبح مبدعا. المعرفة ليست مجرد جمع معلومات؛ المعرفة هي القدرة على الفهم والتحليل والنقد والإنتاج. حيثما أمكن، يجب أن نركز على تطوير هذه القدرة.

أرى أن إصلاح التعليم يبدأ عندما تدرك الدولة أن المعرفة ليست خطرًا، بل هي قوة. يبدأ عندما تتحول المدرسة إلى مساحة للحوار، لا للتلقين، وتصبح الجامعة مركزًا للبحث، لا لتجميع الشهادات. يصبح المعلم قائدًا فكريًا، لا موظفًا إداريًا، ويصبح الطالب شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقي لها. أزمة التعليم العربي ليست مشكلة في وزارة أو ميزانية أو منهج، بل هي مشكلة في مشروع حضاري كامل. لذلك لا يتحقق إصلاح التعليم بقرار إداري فقط، بل يحتاج إلى بناء علاقة جديدة بين الدولة والعقل، وبين السلطة والمعرفة، وبين المجتمع. والإنسان. فحين تؤمن الدولة أن مستقبلها يبدأ من الفصل الدراسي أكثر من أن يبدأ من القصر الرئاسي، وعندما يصبح الاستثمار في العقل أهم من الاستثمار في أدوات السيطرة، حيثما أمكن، نضع العقل في المقام الأول، أستطيع حينها أن أتحدث عن إصلاح حقيقي. قبل ذلك، تستمر المؤتمرات في عقدها، وتُعلن الخطط، وتُغيّر المناهج، لكن يبقى السؤال معلقًا: كيف نصلح تعليماً لا تعرف الدولة بعد ما تريد من الإنسان المتخرج؟