لم أكد أفرغ من قراءة مقال زميلي الكاتب الصحفي فهد البرشاء الموسوم بعنوان " الشعب يريد الحياة " فإذا بي أجد نفسي غارقاً بين حروف لم تكتب بالحبر بل عُجنت بدموع الكبرياء
وأعتصرت من دماء المعاناة حروف تختزل وجع ملايين البشر الذين أرادوا فقط أن يأكلوا بكرامة ويتنفسوا بحرية ويعيشوا تحت سماء وطن لا يخذلهم !
كم أسعدتني وهزتني كلمات ذاك المقال ، لقد كنت على موعد حتمي مع أفكاري لأخط مقالاً بذات الأنين ويحمل ذات الشجن ، ولكن سبقني بالبوح الشجاع وبصياغة هذا الألم المكتوم القلم الرفيع الكاتب الصحفي الجميل الأستاذ فهد البرشاء الساحر ببيانه والمتفوه بنبض الشارع الذي امتلك شجاعة الكلمة وعمق الرؤية ، وجسد بمقاله هذا مأساة وطن مذبوح ووجع أمة تساق إلى حتفها وهي تنتظر !
يتأمل الكاتب البرشاء ببراعة فائقة وفلسفة موجعة تلك المفارقة التاريخية القاتلة التي نعيش فصولها السوداء ، كيف تحولت الهتافات المزلزلة التي كانت تهز عروش أمة إلى همسات خافتة صامتة تبحث اليوم بين القمامة عن رمق للبقاء ، لقد تاهت البوصلة ولم يعد المواطن يفتش عن صناديق الاقتراع أو يسأل عن حرية التعبير ، أويحلم بالرفاهية ، أصبح أقصى طموحه ومنتهى أمله كيف يقضي يومه دون أن يفتك الجوع بأطفاله الصغار ، وكيف يواري سوءة عجزة أمام دمعة ابنه وانكسار زوجته ، أنها رحلة السقوط المرعب من قمم الطموح العالي إلى قاع السعي وراء لقمة العيش التي لايقدر عليها الفقراء !
يتحدى الكاتب ويضعنا عنوة أمام لوحة تشكيلية سريالية شديدة القسوة والقتامة ، لوحة انقسمت بعنف إلى نصفين متوازيين لا يلتقيان ، نصف علوي تسكنه شخوص هلامية ، وأمراء حرب وأثرياء أزمات يعيشون خلف جدران شاهقة عازلة للوعي والإنسانية يقتاتون على أوجاع الناس ويمتصون دماء الكادحين ، وتزداد بطونهم تخمة كلما ازدادت الأمة جوعاً !
ونصف آخر سفلي يضم بشر حقيقيين بملامح حفرها الشقاء تفاصيلها ، وأجساد نخرها المرض يبحثون عن رمق الحياة في بقايا الأشياء ويموتون بصمت مطبق وكبرياء جريح على قارعة طريق مهجور لايمر به أحد !
ولعل أخطر وأعمق ما قدمه الكاتب الجميل في مقاله ، هو مايمكن أن نسميه بوعي الصدمة ، ذلك الندم الجماعي الذي يجتاح الصدور ويكتم الأنفاس في حشرجة قهر باهظ الثمن ، ليس حباً في استبداد قديم مضى ولكن كفراً بفوضى جديدة !
لقد اكتشفنا متأخرين أن هدم البيوت بدعوى ترميمها لم يكن إلا انتحاراً جماعياً ، وأن الذين وعدوا الجماهير بالربيع المزهر ، لم يحملوا في حقائبهم المسمومة سوى الفصول الميتة والأعاصير المدمرة التي اجتثت التاريخ ، وشوهت الهوية ، ومزقت الجغرافية ، وتركت الوطن هيكلاً عظمياً بلا روح !
فلاربيع أزهر ولا وطن سلم ولكن هُدمت الصوامع وبيعت الذمم وغرقت البلاد في بحور من الظلمات والدموع ، يذكرنا فهد البرشاء في مقاله وكأننا في مواجهة حتمية مع قدر نحن من شارك في صنعه وقانون تناسى الطغاة الجدد وجبابرة الصدفة قراءته أو تدبر عواقبه ، كما طالب الكاتب تحذيره الأخير كصيحة نذير ، إن كرامة الإنسان إذا أهدرت وصارت في التراب فلن يبقى هناك وطن !
لقد نجح الكاتب فهد البرشاء في مقاله الشعب يريد الحياة بعبقرية فذة وقدرة تصويرية مذهلة في أن يلتقط بكاميرا قلمه أدق تفاصيل المأساة ، فرسم الأنين لوحة وصاغ الجوع لحناً جنائزياً يقضي المضاجع ، من ثم جعلنا نرى بأم أعيننا كيف تذبح الأوطان برداءة صانعيها ، وحين قال رُفعت الجلسة قاصداً للحديث بقية وعند الله تجتمع الخصوم !