لم تكن الحربان العالميتان الأولى والثانية مجرد صراعين عسكريين واسعَي النطاق، بل كانتا أكبر عمليتي إعادة هندسة للنظام الدولي في العصر الحديث.
فبانتهاء المعارك لم تُحسم نتائج الحرب في ميادين القتال فقط، وإنما على طاولات التفاوض حيث أُعيد توزيع النفوذ، ورُسمت الخرائط، وتأسست منظومة دولية جديدة ما تزال آثارها حاضرة في الجغرافيا السياسية حتى اليوم.
وكان الشرق الأوسط أكثر الأقاليم تعرضا لنتائج تلك التسويات، إذ تحوّل من مركز للدولة العثمانية إلى ساحة لإعادة التقسيم وبناء الدول وإقامة التحالفات، ضمن مشروع استراتيجي قادته القوى المنتصرة بما يخدم مصالحها طويلة الأمد.
-المنتصرون وصناعة النظام الدولي الجديد..
شهدت الحربان العالميتان اصطفافات بين معسكرين رئيسيين: دول الحلفاء التي ضمت بريطانيا وفرنسا وروسيا، ثم انضمت إليها الولايات المتحدة والصين خلال الحرب العالمية الثانية، في مواجهة دول المحور التي قادتها ألمانيا وانضمت إليها قوى أخرى، بينما كانت الدولة العثمانية جزءًا من معسكر الهزيمة في الحرب العالمية الأولى.
وبانتصار الحلفاء بدأت عملية إعادة توزيع النفوذ العالمي، حيث لم يعد الهدف إسقاط الخصوم فحسب، بل إعادة تشكيل النظام الدولي بما يضمن مصالح المنتصرين لعقود طويلة.
-تقاسم مناطق النفوذ..
أسفرت التسويات اللاحقة عن توزيع واسع لمجالات النفمنة الدولية.
فحصل الاتحاد السوفيتي على أوروبا الشرقية، إلى جانب امتداده الأوراسي حتى سيبيريا والمحيط المتجمد الشمالي، بينما توسع النفوذ الصيني شرق آسيا وفي الأقاليم والجزر المحيطة فيما اصطلح البريطانيون على تسميته بـ"الشرق الأقصى".
أما بريطانيا وفرنسا فقد احتكرتا إدارة وإعادة تشكيل الشرق الأدنى والشرق الأوسط، في حين أصبحت أوروبا الغربية والفضاء الاستراتيجي الممتد بين الولايات المتحدة وشرق آسيا جزءًا من منظومة النفوذ الأمريكي الصاعد.
ويكشف هذا التوزيع حقيقة لافتة؛ فرغم مشاركة الولايات المتحدة وروسيا والصين في الانتصار، فإنها لم تكن الأطراف الرئيسية التي تولت إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، إذ انفردت لندن وباريس بهذه المهمة مستفيدتين من انهيار الدولة العثمانية، التي وصفها الأوروبيون آنذاك بـ"الرجل المريض".
-الشرق الأوسط وتركة الإمبراطورية العثمانية..
أصبحت المنطقة العربية القلب الحقيقي لتركة الدولة العثمانية، فخضعت لإعادة تقسيم شاملة وفق المصالح البريطانية والفرنسية.
ومن رحم تلك التسويات وُلدت الحدود السياسية الحديثة لمعظم الدول العربية، كما مهدت تلك الترتيبات لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وصولًا إلى قيام دولة إسرائيل لاحقًا، وهو الحدث الذي لا يزال يمثل أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
ولم يكن ذلك نتيجة قرارات منفردة، بل جاء عبر منظومة من الاتفاقيات والمعاهدات، وفي مقدمتها سايكس ـ بيكو ولوزان، ثم من خلال إنشاء أحلاف سياسية وعسكرية هدفت إلى تثبيت موازين القوى الجديدة، مثل حلف بغداد خلال مرحلة الحرب الباردة.
-إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية..
ضمن عملية إعادة الهندسة الجيوسياسية كان اختيار البريطاني والفرنسي لإيران بأن تتوسع في نطاقها الجغرافي والسياسي على حساب محيطها العربي والكردي والبلوشي والتركماني وبعض المناطق ذات الامتداد التركي، وهو ما أسهم في تكوين دولة إقليمية ذات مساحة وقدرات أكبر مما كانت عليه قبل انهيار الدولة العثمانية، الأمر الذي انعكس مع نهاية القرن المنصرم والربع الأول من القرن الحالي تحديدا إنعكس على توازنات المنطقة وسبب الكثير من الاشكالات والحروب والمآسي التي كان من "المفترص" حسب ترتيبات المخرج أن تقوم بها إسرائيل.
وما الصراعات والويلات التي تذوقها المنطقة حاليا إلا نتيجة طبيعية لذلك المزاج البريطاني الفرنسي.
-نهاية تلك الأحلاف
وبداية نظام جديد..
لكن الأحلاف التي نشأت بعد الحربين العالميتين لم تكن أبدية.
فقد انتهى حلف بغداد بعد الثورة العراقية عام 1958م ثم تحوّل إلى منظمة السنتو قبل أن ينهار نهائيا عام 1979م مع الثورة الإيرانية وانسحاب أعضائه تباعا.
كما تراجعت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية وانتهى عصر الاستعمار التقليدي بينما تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991م ودخل العالم مرحلة الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة.
واليوم تبدو تلك المنظومة التي تشكلت بعد الحربين العالميتين في طريقها إلى الأفول أيضًا، مع صعود الصين، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي، وتراجع القدرة الأمريكية على الانفراد بإدارة النظام العالمي، وظهور تحالفات جديدة مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يشير إلى انتقال العالم تدريجيًا نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
وهذا التحول يفتح الباب أمام مراجعة كثير من الترتيبات الجيوسياسية التي تأسست قبل قرن، ويجعل الشرق الأوسط مرة أخرى في قلب عملية إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
فبما أن التاريخ يكشف لنا أن الخرائط ليست حقائق أبدية، وأن الأحلاف ليست كيانات خالدة، بل أدوات تصنعها موازين القوة ثم يعصف بها تغير تلك الموازين. فإن ما بدأ بعد الحربين العالميتين من نظام دولي وهيمنة وتحالفات يقترب اليوم من نهاية دورة تاريخية كاملة، في ظل تحولات استراتيجية غير مسبوقة تعيد توزيع النفوذ العالمي مرة أخرى.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل سيكون العرب هذه المرة شركاء في صناعة النظام الإقليمي والدولي الجديد؟ أم سيبقون مجرد موضوع لإعادة رسم الخرائط كما حدث قبل قرن من الزمن؟!