شهدت نهاية القرن العشرين واحدة من أعقد المحاكمات السياسية والقانونية في التاريخ المعاصر، وهي محاكمة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، عقب توقيفه عام 1999. لم تكن تلك المحاكمة مجرد إجراء قضائي روتيني ضد قائد حركة مسلحة، بل تحولت إلى نموذج كلاسيكي لكيفية تداخل القانون الدولي والدستوري مع التوازنات السياسية على الأرض، وتقدم هذه التجربة حتى اليوم دروساً بليغة في فهم طبيعة الصراعات بين الحكومات والكيانات السياسية الموازية ذات القاعدة الشعبية. إلا أن السلوك السياسي المعاصر يشير إلى أن ثمة دروساً لا تزال غير مستفادة، حيث هناك تكرار ذات المقاربات الخاطئة التي أثبت التاريخ عدم جدواها.
الدرس الأول؛ وهم الحسم بالقانون:
أولى الدروس المُهدرة التي تم تجاهلها في محاكمة أوجلان، هي طبيعة المفعول الرجعي لتهم مثل "الخيانة العظمى والمساس بوحدة البلاد". تلجأ الحكومات عادة إلى هذا السلاح القانوني العنيف لتجريد الخصوم من شرعيتهم وتحويلهم من قادة لمشاريع سياسية إلى مطلوبين جنائيين، ظناً منها أن هذا الإجراء سيفكك الحركات التي يقودونها.
لكن التاريخ الذي لا يُقرأ جيداً يثبت أن هذه التهم، عندما توجّه إلى قائد يمتلك قاعدة جماهيرية صلبة وحضور قوي على الأرض، فإنها غالباً ما تفقد مفعولها الردعي محلياً، بل قد تتحول إلى رصيد سياسي يظهره بمظهر "المستهدف بسبب التمسك بالقضية".
الدرس غير المستفاد هنا هو أن الأنظمة السياسية لا تزال تعتقد أن دمج القانون المحلي بالصراع السياسي يمكن أن يمحي واقعاً ملموساً على الأرض، وهو وهم يسقط دائماً أمام أول اختبار لموازين القوى الحقيقية. فإجراءات المحاكمة لا تلغي الحقيقة السياسية المتمثلة في وجود جماعة جغرافية أو سياسية لا يمكن تجاوزها بقرار قضائي.
الدرس الثاني؛ إساءة تقدير الفضاء الدولي وإجراءات التدويل:
تنزع الحكومات غالباً إلى حصر صراعاتها مع الكيانات السياسية الموازية في إطار "الجنايات المحلية" والقوانين الداخلية للدولة، متجاهلة درساً بليغاً قدمته محاكمة أوجلان؛ وهو أن الفضاء الدولي محكوم بالتوازنات والمصالح لا بالنصوص الدستورية والقانونية المحلية.
لقد استطاع الفريق القانوني للحركة الكردية آنذاك نقل المعركة إلى المؤسسات الدولية (كالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، والطعن في شرعية وحيادية المحاكم المحلية، وتحويل الحكومة من "مُدّعٍ" إلى "مُدعى عليه" ينتهك المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. عدم الاستفادة من هذا الدرس يتجلى اليوم في استمرار بعض الحكومات في استخدام المنصات الدولية لتصفية حسابات داخلية، دون إدراك أن المجتمع الدولي لا يتعامل مع التوصيفات القانونية المحلية إلا من خلال منظار الاستقرار ومصالحه الخاصة.
الدرس الثالث؛ صناعة "الرمز":
من الأخطاء المتكررة التي تقع فيها السلطات، الاعتقاد بأن عزل القائد أو التهديد بعقابه وتصفيته معنوياً سيؤدي إلى شلل الحركة وتراجعها.
في تجربة أوجلان، أدى السجن والمحاكمة إلى نتائج عكسية تماماً؛ حيث تحول من قائد عسكري إلى رمز فكري ومرجعية سياسية لا يمكن تجاوزها. وبدلاً من الاستسلام، طور أدبيات جديدة تطالب بالإدارة الذاتية وتخاطب المجتمع الدولي بلغة سياسية رصينة أحرجت السردية الرسمية للدولة. الدرس الذي لا يستفاد هو أن محاصرة القيادات السياسية قانونياً غالباً ما تمنح حركاتهم وقوداً أيديولوجياً جديداً للاستمرار، بل وتجبر الحكومات في النهاية على التفاوض مع "الرمز المحاصر" ذاته باعتباره الطرف الوحيد القادر على ضبط الشارع.
الدرس الرابع؛ القوة على الأرض هي الصائغ الفعلي للقانون:
الدرس الأعمق والأكثر إهمالاً في صراعات الهوية والسلطة هو أن الشرعية الشعبية على الأرض هي التي تفرض التوازنات في نهاية المطاف، وليس التوصيفات القانونية الصادرة من الغرف المغلقة.
لم تنجح أحكام الإعدام أو المؤبد في إلغاء الوجود السياسي والعسكري للحركة الكردية، لأن المشكلة في جوهرها سياسية وحقوقية وليست جنائية. وعندما تفتقر الإجراءات القانونية لآليات التنفيذ الفعلي على الأرض، أو عندما يهدد تطبيقها بتفجير فوضى شاملة، فإن القوى الإقليمية والدولية تنحاز تلقائياً لـلواقعية السياسية وضمان الاستقرار على حساب إنفاذ نصوص قانونية قد تؤدي إلى فوضى غير مسيطر عليها.
خلاصة القول؛ إن محاكمة زعيم حزب العمال الكردستاني تظل دليلاً ماثلاً على أن أكبر درس نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم منه. ودرساً بليغاً لكل الفاعلين السياسيين في مناطق الصراعات؛ فهي تذكر الحكومات بأن الإفراط في استخدام الأدوات القانونية والدستورية لتصفية الخصوم السياسيين دون معالجة جذور الأزمات واستيعاب تطلعات المجتمعات، هو إعادة إنتاج ذات الأخطاء. فالصراعات ذات الجذور السياسية والجغرافية لا تنتهي بجرّة قلم قاضٍ أو ببيانات إدانة منبرية، والواقعية السياسية تفرض دائماً شروطها في النهاية، مهما طال الهروب من قراءة دروس الماضي.
كما تذكر هذه التجربة، الكيانات السياسية الموازية بأن التحلي بالمرونة، وامتلاك رؤية سياسية واضحة، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة مقبولة، هي الدروع الحقيقية التي تحول الضغوط القانونية إلى مكاسب استراتيجية.