هل شكّلت الحرب مع إيران إخفاقًا استراتيجيًا للولايات المتحدة؟ هل ربحت واشنطن المعركة، أم خسرت الاستراتيجية؟ بعد المعارك الطوال .. ماذا حققت الولايات المتحدة الأمريكية؟ وكيف يمكن أن تُقاس نتيجة نجاح الحرب مع إيران؟ هل تغيّرت موازين القوى أم تبدّلت الحسابات فقط؟ وما الذي بقي من أهداف الحرب؟
الحرب مع إيران .. أسئلة أكثر من إجابات.
لا تُقاس نتائج الحروب الحديثة بحجم القوة العسكرية المستخدمة أو بعدد الأهداف التي جرى تدميرها، بل بمدى نجاح الدول في تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي خاضت الحرب من أجلها.
فالتفوق العسكري، مهما كان كبيرًا، لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا عندما يترجم إلى مكاسب سياسية مستدامة تعزز مصالح الدولة وتحقق الغايات التي سعت إليها من خلال استخدام القوة.
من هذا المنطلق، برزت تساؤلات لدى عدد من المحللين حول ما إذا كانت الحرب الأمريكية ضد إيران قد حققت أهدافها الاستراتيجية الأساسية، أم أنها كشفت حدود القدرة العسكرية على فرض نتائج سياسية حاسمة في بيئة إقليمية ودولية معقدة.
كانت الولايات المتحدة تسعى، وفق هذا التقييم، إلى إضعاف النفوذ الإيراني، وتعزيز الردع، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
إلا أن الجدل يتركز حول ما إذا كانت النتائج التي تحققت على الأرض تتناسب مع حجم الموارد العسكرية والسياسية والاقتصادية التي جرى توظيفها خلال الصراع.
فعلى الرغم من التفوق العسكري الأمريكي الواضح، يرى بعض المراقبين أن الحرب لم تؤدِ بالضرورة إلى تحقيق تحول سياسي جذري في سلوك إيران أو إلى إحداث تغيير حاسم في موازين القوى الإقليمية.
كما أن الإنجازات العسكرية التي تحققت لم تترجم بصورة كاملة إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش التقليدي حول العلاقة بين النجاح العسكري والنجاح السياسي.
وفي هذا السياق، يستحضر بعض الباحثين تجربة حرب فيتنام بوصفها مثالًا تاريخيًا على الفجوة التي قد تنشأ بين التفوق العسكري وتحقيق الأهداف السياسية.
فبرغم الاختلاف الكبير بين السياقين التاريخيين، فإن المقارنة تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن القدرة على كسب المعارك لا تعني بالضرورة القدرة على كسب النتائج السياسية للحرب.
وتزداد أهمية هذا النقاش بسبب طبيعة البيئة الدولية المعاصرة، فالعالم اليوم أكثر ترابطًا اقتصاديًا من أي وقت مضى، وأي مواجهة واسعة في منطقة الخليج تنعكس سريعًا على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
لذلك لم تقتصر آثار الحرب على ساحتها العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع مستويات عدم اليقين وزيادة تكاليف النقل والتأمين والطاقة.
كما أثارت الحرب تساؤلات حول فعالية الردع الأمريكي وحدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة التحديات الإقليمية المعقدة.
فحين لا تؤدي العمليات العسكرية إلى نتائج سياسية واضحة ومستمرة، يصبح من الطبيعي أن يعيد الخصوم والحلفاء على حد سواء تقييم تصوراتهم بشأن قدرة القوة العسكرية على فرض الوقائع السياسية المطلوبة.
ومن ناحية أخرى، يرى فريق آخر من المحللين أن الحكم على الحرب باعتبارها إخفاقًا استراتيجيًا قد يكون سابقًا لأوانه.
فبحسب هذا الرأي، قد تكون الحرب قد حققت أهدافًا جزئية مهمة، مثل إضعاف بعض القدرات العسكرية الإيرانية أو فرض قيود جديدة على حرية الحركة الاستراتيجية لطهران، حتى وإن لم تؤدِ إلى تحقيق جميع الأهداف المعلنة بصورة كاملة.
لذلك يبقى تقييم نتائج الحرب مرتبطًا بالمقارنة بين حجم المكاسب التي تحققت وحجم التكاليف التي ترتبت عليها.
فالسؤال المركزي لا يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققت نجاحات عسكرية، بل بما إذا كانت تلك النجاحات قد أفرزت واقعًا سياسيًا واستراتيجيًا جديدًا يتناسب مع الكلفة التي دُفعت لتحقيقه.
في النهاية، يعكس الجدل حول الحرب مع إيران حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، وهي أن القوة العسكرية تظل أداة من أدوات السياسة وليست بديلًا عنها.
فالحروب تُحسم في نهاية المطاف بقدرتها على إنتاج نتائج سياسية مستدامة، وليس فقط بحجم الدمار الذي تحدثه أو بعدد الأهداف التي تصيبها.
ومن هنا تبقى مسألة نجاح الحرب أو إخفاقها الاستراتيجي موضوعًا مفتوحًا للنقاش، يرتبط بالحصيلة السياسية النهائية أكثر من ارتباطه بالإنجازات العسكرية المباشرة.
محمد خالد الحسيني