في كل مرحلة من مراحل الصراع تظهر أصوات لا تبحث عن الحلول بقدر ما تبحث عن خصومات جديدة. وحين تعجز بعض القوى عن تقديم نموذج ناجح في الإدارة أو التنمية، تلجأ إلى سلاح آخر أقل كلفة وأكثر تأثيرًا: سلاح العاطفة.
تبدأ الحكاية بشعارات براقة عن الحقوق والكرامة والتمثيل، ثم تتحول تدريجيًا إلى خطاب يزرع الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. يتم تصوير الخلاف السياسي وكأنه صراع بين مناطق، وتصوير الشراكة وكأنها هيمنة، وتصوير كل شخصية أو قوة سياسية على أنها عدو قادم للاستيلاء على الأرض والناس.
المشكلة ليست في المطالبة بالحقوق، فالحقوق حق مشروع لكل مواطن، وإنما في استغلال هذه المطالب لتحويلها إلى وقود للانقسام. فالحقوق لا تُبنى بالتحريض، ولا تُنتزع بالكراهية، ولا تتحقق بإشعال الخصومات بين أبناء المجتمع الواحد.
والسؤال الذي يفرض نفسه: من يرفعون اليوم شعارات الإنصاف والعدالة، ماذا قدموا في المناطق التي خضعت لسلطتهم ونفوذهم؟ هل انتهى الفقر؟ هل اختفى التهميش؟ هل تحققت التنمية؟ أم أن المواطن ما زال يطارد الكهرباء والماء وفرصة العمل كما كان يفعل منذ سنوات؟
إن التجارب على الأرض هي المعيار الحقيقي، لا الخطب الحماسية ولا المنشورات الملتهبة. فالناس لم تعد تبحث عمن يجيد الحديث باسمها، بل عمن يحسن العمل من أجلها.
لقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا بسبب الخطابات التي قسمت الناس إلى معسكرات ومناطق وهويات متصارعة. وكل دعوة جديدة لإحياء هذه الانقسامات ليست سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها بأسماء مختلفة.
والوطن اليوم لا يحتاج إلى من يزرع الشك بين أبنائه، بل إلى من يعيد الثقة بينهم. ولا يحتاج إلى إعلام يحرض الناس على بعضهم، بل إلى إعلام يكشف الحقائق ويحاسب المقصرين أيًا كانوا. فالأوطان تنهض بالشراكة والعدالة والتنمية، لا بالمزايدات السياسية ولا بتجارة المشاعر.
ويبقى السؤال للمحرضين ، الذي ينتظر المواطن إجابته منذ سنوات: من الذي سيقدم له خدمة حقيقية وفرصة حياة كريمة؟ أما بقية المعارك الكلامية، فقد سئمها الناس قبل أن تنتهي.