آخر تحديث :الأحد-14 يونيو 2026-09:18م

عندما تطفأ المواهب في صمت القعقاع ومأساة الحياة التي تدفع نحو الموت

الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 06:11 م
نجيب الكمالي


لم يعد الموت في هذا الواقع حدثا صادما بقدر ما أصبح نتيجة متوقعة لحياة تدفع دفعا نحو حافتها الاخيرة قصة القعقاع كما يرويها الكاتب حمود الصوفي في مقاله القعقاع حين تصبح لقمة العيش اقرب الى الموت من الحياة ليست مجرد حادثة عابرة بل مرآة لزمن ثقيل دفعت فيه الحرب والصراعات السياسية البلاد الى حافة الانهيار حتى بات الشباب اول من يدفع الثمن

في خلفية هذا المشهد لا يظهر الفقر وحده بل تظهر الحرب بكل امتداداتها وما خلفته من تفكك اقتصادي ومؤسساتي واجتماعي وهي ذات الحرب التي يلمح الاستاذ حمود الصوفي في قراءته الى انها لم تترك للشباب سوى مساحات ضيقة للحياة واجبرتهم على خيارات قاسية تتقاطع فيها الحاجة مع الخطر والبحث عن البقاء مع احتمالات الموت

هذا ليس رثاء لشاب رحل بل تفجير لاسئلة مؤجلة منذ سنوات من الذي يترك شبابنا وحدهم في مواجهة الموت اليومي وكيف تحول السعي وراء لقمة العيش الى طريق قصير نحو الفناء وكيف اصبحت المواهب تدفع الى الحافة في بلد انهكته الصراعات واغلق ابوابه امام المستقبل

الصوفي لا يكتب عن القعقاع كخبر بل كعرض مأساوي لمرض اعمق فهو ينتزعنا من لحظة النهاية الى ما سبقها من انهيار تدريجي في فرص الحياة حيث تختفي الدولة الفاعلة وتتراجع المؤسسات ويتحول الشباب الى افراد يواجهون مصيرهم بلا سند

من الانصاف القول ان الاستاذ حمود الصوفي ليس مجرد راصد للاحداث بل هو شخصية سياسية واجتماعية ارتبط اسمها في الذاكرة العامة بدعم الشباب والاهتمام بقضاياهم ويعرفه كثير من الشباب ومنهم كاتب هذه السطور واحد ممن لمسوا هذا الدعم والتشجيع عن قرب وهو ما يجعل قراءة هذه المأساة امتدادا طبيعيا لتجربة طويلة مع قضايا الشباب لا مجرد موقف عابر من حدث مفرد

لا يكتب الصوفي عن القعقاع كحالة فردية بل كنموذج لجيل كامل يستنزف بصمت شباب يملكون الطاقة والموهبة والطموح لكنهم يتركون في العراء في بلد انهكته الحرب فتآكلت فيه البيئة الحاضنة ولم تعد الفرص تصنع بل تنتزع انتزاعا من قلب الخطر

المؤلم في قراءة هذا النص ان الازمة ليست فردية بل بنيوية فالحرب لم تخلق فقط دمارا ماديا بل اعادت تشكيل الحياة نفسها بطريقة تجعل البقاء مهمة يومية محفوفة بالمخاطر وفي هذا الفراغ تصبح كل موهبة غير محمية مشروع خسارة مؤجل

ولذلك فان السؤال لم يعد اخلاقيا فقط بل سياسيا وانسانيا كيف يستمر واقع يدفع الشباب الى حافة الخطر دون بدائل وكيف يتحول المجتمع الى شاهد على احتراق مواهبه يصفق احيانا ويصمت احيانا اخرى

في لحظة مكاشفة قاسية يضعنا الصوفي امام حقيقة لا يمكن تجاوزها بسهولة القعقاع لم يسقط وحده بل سقط معه جزء من فكرة الحياة الممكنة في ظل هذا الواقع وكل موهبة تفقد اليوم ليست حادثة فردية بل علامة على خلل اعمق في بنية المجتمع والدولة معا

ويبقى السؤال الذي يختتم به الصوفي صرخته

كم مرة نصفق للمواهب وهي تحترق امامنا بينما كان الاجدر بنا ان ننقذها

لكن ما وراء السؤال اشد الما متى يتوقف هذا المسار عن انتاج المزيد من الفقد ومتى يستعيد الشباب حقهم في حياة لا تختبر بقاءهم كل يوم

وفي النهاية يظل السؤال الاكبر معلقا في وجدان الجميع متى تتوقف الحرب ويعم السلام لا احد يملك اجابة قاطعة لكن المؤكد ان السلام لن يكون لحظة مفاجئة بل نتيجة مسار طويل من الوعي والتنازلات وارادة الحياة وحتى ذلك الحين يبقى الامل معلقا على ان تتوقف دوامة الاستنزاف وان يستعيد الشباب حقهم في حياة امنة تستحق ان تعاش لا ان تخاض كمعركة يومية للبقاء

رحم الله القعقاع ليس فقط كقصة انسانية بل كرمز لجيل عالق بين حرب لم تنته بعد ومستقبل لم يبدأ بعد