آخر تحديث :الأحد-25 أكتوبر 2026-11:26ص

مدى تاثير وفاة الرئيس هادي على شرعية مجلس القيادة الرئاسي

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 09:55 ص
ايهاب ايسار فيصل


بقلم/ايهاب ايسار فيصل


أثير في الآونة الأخيرة نقاش قانوني حول مدى استمرار شرعية مجلس القيادة الرئاسي اليمني بعد وفاة الرئيس عبدربه منصور هادي رحمه الله، حيث ذهب بعض الآراء إلى أن وفاة الرئيس تؤدي تلقائياً إلى انتهاء ولاية المجلس استناداً إلى أن ما صدر منه كان مجرد تفويض، والتفويض ينتهي بوفاة المفوض. غير أن هذا الرأي يتجاهل الطبيعة الخاصة للإعلان الرئاسي المنشئ للمجلس، كما يتجاهل النصوص الصريحة التي نظمت انتقال السلطة وحددت أسباب انتهاء ولاية المجلس على سبيل الحصر.


فالإعلان الرئاسي الصادر في السابع من أبريل 2022 لم يتحدث عن تفويض عادي بالمعنى المتعارف عليه في القانون الخاص، وإنما نص صراحة على أن الرئيس عبدربه منصور هادي يفوض مجلس القيادة الرئاسي "تفويضاً لا رجعة فيه" بكامل صلاحياته وفقاً للدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. وهذه العبارة تحمل دلالة قانونية واضحة مفادها أن التفويض ليس مؤقتاً أو مرتبطاً بشخص الرئيس المفوض، بل إنه نقل للسلطات واختصاصاتها إلى كيان دستوري جديد أنشئ خصيصاً لإدارة المرحلة الانتقالية. ولو كان المقصود بقاء المجلس مرتبطاً بحياة الرئيس أو استمرار إرادته الشخصية لنص الإعلان على ذلك صراحة، وهو ما لم يحدث.


كما أن الإعلان منح مجلس القيادة الرئاسي جميع صلاحيات رئيس الجمهورية بالإضافة إلى كافة صلاحيات نائب الرئيس، الأمر الذي يؤكد أن المجلس لم يكن مجرد هيئة استشارية أو لجنة مفوضة، بل أصبح المؤسسة التي تمارس السلطة التنفيذية العليا في الدولة خلال المرحلة الانتقالية. ومن ثم فإن وفاة الرئيس الذي أصدر الإعلان لا تؤثر على وجود المجلس أو شرعيته، تماماً كما أن وفاة من عيّن مسؤولاً أو قاضياً لا تؤدي إلى زوال الصفة القانونية لمن تم تعيينه.


ويكتسب هذا الفهم قوة أكبر عند النظر إلى المادة الثامنة من الإعلان، والتي حددت أسباب انتهاء ولاية مجلس القيادة الرئاسي بصورة واضحة وحصرية، حيث نصت على أن ولاية المجلس تنتهي عند التوصل إلى حل سياسي شامل وإقرار السلام الكامل في جميع أنحاء الجمهورية، أو عند إجراء الانتخابات العامة وفقاً للدستور الجديد وتنصيب رئيس جمهورية جديد. ومن المقرر قانوناً أن النص إذا حدد أسباب انتهاء ولاية جهة أو مؤسسة على سبيل الحصر فلا يجوز إضافة أسباب أخرى بطريق الاجتهاد أو القياس، ولذلك فإن وفاة الرئيس هادي لا يمكن اعتبارها سبباً قانونياً لإنهاء ولاية المجلس ما دامت غير واردة ضمن الحالات المنصوص عليها.


ويضاف إلى ذلك أن المادة التاسعة من الإعلان نصت على إلغاء كل ما يتعارض مع أحكامه من نصوص دستورية أو قانونية. وهذا يعني أن الإعلان الرئاسي باعتباره الوثيقة المنظمة للمرحلة الانتقالية قد وضع قواعد خاصة تسري خلال هذه المرحلة وتقدم على أي نصوص سابقة تتعارض معها. وبالتالي لا يصح الاستناد إلى أحكام دستورية سابقة تتعلق بانتهاء ولاية رئيس الجمهورية أو انتقال السلطة للقول بزوال شرعية مجلس القيادة الرئاسي، لأن الإعلان نفسه رسم إطاراً قانونياً مستقلاً ومنظماً لهذه المرحلة.


كما أن الاستناد إلى قواعد الوكالة في القانون المدني للقول بانتهاء التفويض بوفاة المفوض يمثل خلطاً بين مفاهيم القانون الخاص والقانون العام. فمجلس القيادة الرئاسي ليس وكيلاً شخصياً للرئيس هادي، وإنما مؤسسة دستورية انتقالية أنشئت بموجب إعلان ذي طبيعة سياسية ودستورية خاصة، هدفه إدارة شؤون الدولة واستكمال مهام المرحلة الانتقالية. ومن المعروف في الفقه الدستوري أن القرارات والإنشاءات الدستورية التي تصدرها السلطات المختصة لا تزول بوفاة من أصدرها ما لم يوجد نص قانوني يقضي بذلك.


وعند النظر إلى الغاية التي صدر من أجلها الإعلان الرئاسي يتضح بصورة أكبر أن المشرع المؤقت كان يقصد ضمان استمرارية مؤسسات الدولة وتجنب أي فراغ دستوري أو سياسي. فالغرض المعلن للإعلان هو استكمال تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية والعمل على تحقيق السلام والاستقرار. ومن غير المنطقي قانوناً أو سياسياً افتراض أن شرعية المجلس تنتهي تلقائياً بوفاة الرئيس الذي أصدر الإعلان، لأن ذلك سيؤدي إلى نتائج تتعارض مع الهدف الأساسي الذي أنشئ المجلس من أجله.


وبناءً على ذلك، فإن القراءة القانونية السليمة لنصوص الإعلان الرئاسي تؤكد أن شرعية مجلس القيادة الرئاسي لا تتأثر بوفاة الرئيس عبدربه منصور هادي رحمه الله، وأن المجلس يستمر في ممارسة صلاحياته واختصاصاته كاملة إلى حين تحقق إحدى الحالتين المنصوص عليهما حصراً في المادة الثامنة، وهما التوصل إلى حل سياسي شامل وإقرار السلام الكامل أو إجراء الانتخابات العامة وتنصيب رئيس جديد للجمهورية. أما القول بانتهاء شرعية المجلس بسبب وفاة الرئيس المفوض فهو قول يفتقر إلى السند القانوني ويتعارض مع النصوص الصريحة للإعلان ومع القواعد المستقرة في تفسير النصوص الدستورية الانتقالية.


والله الموفق.