وداعاً يا أطيب وأصدق وأنزه وأشجع رجل، إنه الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي توفاه الله في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك في العاصمة الرياض، بعد حياة حافلة بالنضال الوطني... مات الرجل البسيط، المتواضع، شديد البأس، الرجل الصلب الذي ترك مآثر سيكتبها التاريخ بأحرف من نور. فالرئيس عبد ربه منصور هادي هو أقوى شخصية سياسية وعسكرية حكمت اليمن في أصعب مرحلة، واستطاع بكل قوة أن يثبت للشعب وللعالم أنه كان يريد أن ينقل اليمن إلى عصر الدولة المدنية العادلة... حيث بدأ مهامه في قيادة الوطن بقرارات صادمة وغير مقبولة وغير متوقعة من القوى المتنفذة التي عطلت قيام الدولة العادلة.
نعم، نعم، لله درك يا فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي؛ استطعت أن تهيكل مؤسسة الجيش وتدمر أحلام اللصوص والفاسدين بأهم قرارات تاريخية اتخذتها بإرادة من حديد، دون أن تمتلك أي حاضنة شعبية يمكن أن تسندك حينما تتحرك حيتان الفساد وسهام الغدر والمؤامرات، لكنك أثبتّ بأنك أشجع رئيس انحاز لإرادة الشعب لتحقيق الدولة المدنية على أسس علمية ووطنية. ورغم الهجوم عليه من القوى المتضررة التي جعلت الوطن وثرواته ملكية خاصة تتقاسمها رموز الفساد في المؤسستين العسكرية والقبلية، ومحاولة اغتياله لأكثر من مرة، ظل ثابتاً ثبوت الجبال الراسية دون أن تهتز له شعرة. ويُحسب لهذا الرئيس بأن مصلحة الوطن والشعب ظلت نصب عينيه؛ فلم يرتهن ولم يتخلَّ عن ذرة رمل من تراب وطنه.
وفي هذه المرثية الحزينة نقول بأن عبد ربه منصور هادي، كإنسان وقائد ورئيس، استطاع من خلال حكمته وقيادته لليمن أن يجعل هدفه الأول والأخير قيام الدولة العادلة التي توفر العيش والحياة الكريمة لهذا الشعب الأصيل الذي عانى من الحرمان والظلم والحروب المدمرة. كما يشهد الشعب ويظل التاريخ خير شاهد بأن عبد ربه منصور هادي مكن أبناء الجنوب من القيادة الفعلية وبكل قوة -رغم كل ما أُخذ على الرجل من أعداء الجنوب- وقدمها لهم على طبق من ذهب، والمؤسف حقاً أن هذه اللحظة التاريخية لم تؤخذ بعين المسؤولية وتم إهدارها في خضم الشعارات والخطب العصماء.
وفي خضم الحزن العميق لرحيل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.. نقول: نم أيها الجسد الراقد في الثرى، فيكفيك فخراً أنك أنجزت مع كل القوى السياسية والوطنية أهم مشروع لنظام الحكم الفدرالي واعلنته أمام الشعب والعالم، فتحركت قوى الظلام "الحوثي-عفاشية" لإعلان الحرب والانقلاب على الشرعية بدعم كبير من النظام الإيراني.
حقيقةً، إن رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي خسارة كبيرة مُني بها الوطن والشعب؛ فالإنسان الذي يعيش حياته ببساطة وإن تقلد أرفع المناصب في البلد، لم يعرف الكثيرون عظمة صفاته هذه إلا بعد الرحيل عن هذه الدنيا الفانية.
نسأل الله تعالى أن يجعل مثواه الجنة، ويسكنه مع الصديقين، ويشمله برحمته الواسعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.