آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-06:27م

حتى في رحيله كان هادئًا

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 06:02 م
د. علي الدويل

رحل الرئيس اليمني الراحل كما عاش سنواته الأخيرة؛ هادئًا، صامتًا، متأملًا في وطنٍ أثقلته الحروب والانقسامات والخذلان.


حتى في موته كان “هادي”…

لم يرحل بضجيج الزعماء، ولا بصخب الساسة، بل غادر الحياة كما عرفه كثير من اليمنيين: رجلًا قليل الكلام، واسع الصدر، يميل إلى الحكمة أكثر من المواجهة، وإلى التهدئة أكثر من إشعال الحرائق.


وبدون وداعٍ طويل، طوى آخر صفحات عمره، تاركًا خلفه جدل السياسة، وضجيج الخصوم، وأثقال مرحلةٍ كانت من أعقد المراحل التي مرّت على اليمن الحديث.


لقد كان الرئيس هادي يمثل الشجاعة في ألين صورها؛

فلم يكن رجل القبضة الحديدية، ولا صاحب السجون والمشانق، ولم يُعرف عنه الانتقام من خصومه أو استخدام السلطة لإذلال الناس.

كان بسيطًا في حياته، لينًا في تعامله، يرى أبناء الوطن بعينٍ واحدة، دون تفرقة أو استعلاء.


تحمّل وحده كثيرًا من الإخفاقات التي صنعتها تعقيدات الداخل وتشابكات الخارج، فصار هدفًا للاتهامات، وحمّله الجميع أوزار المرحلة، بينما ظلّ صامتًا كالأب الحنون الذي يبتلع ألمه كي لا يزيد وجع أبنائه.


وفي زمنٍ أصبحت فيه القسوة وسيلة حكم، اختار هادي أن يبقى إنسانًا قبل أن يكون رئيسًا.

لم يتكئ على البطش،

ولم يتقوَّ على شعبه،

ولم يجعل من السلطة وسيلة أذى أو انتقام.


لقد اختلف معه كثيرون، وانتقده كثيرون، لكنّ قليلين فقط من أنصفوا هدوءه، وحكمته، وصبره الطويل على وطنٍ كان يتآكل من الداخل.


رحل “هادي”…

ورحل معه نموذج القائد الذي كان يؤمن أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الدم اليمني أغلى من كراسي الحكم.


فوداعًا يا آخر الحكماء…

ووداعًا يا رجل الدولة الذي قال “لا” حين خاف كثيرون من قولها،

ووداعًا يا من غادرت الحياة بهدوئك المعتاد، دون أن تترك خلفك إلا سيرة رجلٍ حاول أن يحمل وطنًا مثقلًا بالعواصف.


رحمة الله تعالى تغشاك سيدي الرئيس،

وأسكنك الله فسيح جناته.