لم يعد العيد في غزة كما كان. ففي كل زاوية من القطاع المحاصر تقف الحرب شاهدة على مدينة أنهكها الدمار وعلى عائلات باتت تستقبل الأعياد بقلوب مثقلة بالفقد والخوف بعدما تحولت المناسبات الدينية التي كانت تمتلئ بالحياة إلى أيام تعبر بصمت وسط مشاهد النزوح والخراب.
يأتي عيد الأضحى هذا العام على قطاع غزة للعام الثالث في ظل الحرب بينما تغيب معظم الطقوس التي اعتاد الناس التمسك بها جيلاً بعد آخر. فلا ازدحام في الأسواق ولا أصوات فرح تملأ الشوارع ولا ساحات مزدحمة بالعائلات بل خيام متناثرة فوق أراضٍ مدمرة وطوابير طويلة للحصول على الماء والغذاء وأحاديث لا تنتهي عن الغارات والفقد والنزوح.
في الأزمنة الطبيعية كان العيد في غزة يبدأ قبل أيام بحركة الأسواق وشراء الملابس وتحضير الأضاحي واستعداد العائلات لاستقبال أيام مختلفة تحمل شيئًا من البهجة والطمأنينة. أما اليوم فقد تبدلت الملامح بالكامل وأصبحت الأولويات مرتبطة بالبقاء فقط في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية غير مسبوقة.
داخل مراكز النزوح يبدو المشهد أكثر قسوة. آلاف العائلات التي فقدت منازلها تعيش في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة فيما تحولت الاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية مرهقة. الماء لم يعد متوفرًا بسهولة والكهرباء شبه غائبة والطعام أصبح نادرًا في كثير من المناطق بينما تتراجع القدرة الشرائية بصورة كبيرة نتيجة انهيار الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.
ومع استمرار الحرب اختفت الكثير من المساحات التي كانت تمثل متنفسًا للسكان خلال الأعياد. المتنزهات والساحات العامة التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى أماكن مدمرة والأسواق الشعبية فقدت جزءًا كبيرًا من نشاطها في وقت تعاني فيه العائلات من ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية.
الأكثر إيلامًا أن الحرب لم تسرق فقط تفاصيل العيد بل سلبت الناس شعورهم بالأمان والاستقرار. كثير من الأسر فقدت معيلها أو أحد أفرادها وأخرى تعيش على أمل العودة إلى منازل لم تعد قائمة أصلًا. وبين هذا كله تحاول العائلات الحفاظ على ما تبقى من الروابط الاجتماعية عبر تبادل التهاني البسيطة أو إعداد وجبات متواضعة تعيد ولو قليلًا من أجواء العيد القديمة.
ورغم كل الظروف لا تزال غزة تحاول التمسك بالحياة. ففي قلب الدمار يصر الناس على مواصلة يومهم وعلى صناعة لحظات صغيرة من الصبر والأمل حتى وإن كانت الحرب تحاصر كل شيء من حولهم. فالعيد بالنسبة لكثير من العائلات لم يعد مناسبة للفرح بقدر ما أصبح مناسبة لاستحضار الغائبين واستذكار البيوت التي دمرت والأيام التي كانت فيها الحياة أكثر بساطة وأمانًا.
ومع تفاقم الأزمة الإنسانية تتزايد المخاوف من استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في القطاع خصوصًا في ظل النقص الحاد في الخدمات الأساسية واستمرار النزوح وتراجع الإمكانيات الطبية والإغاثية. كما أن حالة الإنهاك النفسي والاجتماعي التي يعيشها السكان باتت أكثر وضوحًا مع امتداد الحرب لفترة طويلة دون أفق واضح لنهايتها.
في غزة يمر عيد الأضحى هذا العام مختلفًا عن كل الأعياد السابقة عيد بلا ملامح مكتملة وبلا أصوات فرح حقيقية لكنه يحمل في داخله قصة شعب يحاول النجاة وسط واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث ويتمسك بالأمل رغم الركام والجوع والفقد والحصار.