في بلادنا اليمن، شمالاً وجنوباً، الكل ينشد المثالية، ويرى المبدأ، ويحدد موقفه من خلال المصلحة الشخصية أولاً، والتعصب المناطقي والقبلي والجهوي ثانياً. غالباً هذه هي المبادئ والمواقف اليوم.
فالوحدوي الشمالي لا يستهجن ولا يشجب ولا يمانع وجود مليشيات طائفية متخلفة تحتل البلد، لكنه يقاتل كلما جاءت سيرة الجنوب أو انفصاله. وهنا يأتي التعصب الجهوي والطائفي والحزبي، والاعتقاد الخاطئ بأن الوحدة صنم يُعبَد وهي من تنجيه من الموت والفقر والجوع!
وكذلك في الجنوب، هناك وحدويون لا يرون في الحوثي ومشروعه وخزعبلاته خطراً على العقيدة والحكم الكهنوتي المدمر لمفهوم الدولة المدنية وللتعليم والنظام المؤسسي، لكنهم يرون المجلس الانتقالي هو الأخطر! يا للعجب!
أما الانتقاليون، فحدث ولا حرج: يرون الانفصال هو الحل، لكن انفصال جنوب مناطقي قزم. وقد شاهدنا حين حكموا لمدة عشر سنوات، انفصل الجنوب وانقسم وتشظى أكثر مما كان عليه قبل الحرب، نتيجة التعصب المناطقي المغلف بشعارات الجنوب الكبير. لقد ذاق الجنوبيون ويلات الانتقالي وجيشه ورموز فساده، حتى وصل حال الكثير من المتطرفين إلى المطالبة بعودة "عيدروس" وليس الجنوب الوطن!
وهنا تظهر عند الكل الميول المناطقية والجهوية والقبلية والمصلحة، وتتلبس المعتقدات الخاطئة والحسابات الضيقة، لتصبح مبادئ يُكيِّفونها حسب هذه القواعد والمواقف المرتبطة بالتعصب، ثم المصلحة الجهوية الضيقة.
فأين المنطق والمبدأ الوطني الثابت تجاه مشروع وطني من كل هذه القوى والأحزاب التي استثمرت القضايا الوطنية عقداً من الزمن وهي تراوح مكانها؟ فالشرعية لم تتقدم خطوة، والانتقالي عشر سنوات من البناء يهدم في ليلة وضحاها؛ لأن الأساس والعمل المؤسسي والمشروع الجنوبي الوطني هش، وشعار فقط يبرر الفساد والظلم وتقزيم الجنوب الكبير في مناطق وأشخاص لا غير. والحوثي ركب الثورة لإسقاط جرعة للبترول تفرق ألف، وجرع الشعب ويلات الحرب وتبعاتها، وأفسد وأفقر الشعب عشرة أضعاف الجرعة التي جعلها حجة ليستولي على السلطة حين تحالف مع صالح وجيشه العرمرم الذي هو الآخر وقف مع صالح والحوثي ضد الدولة؛ لأنه جيش عقيدته المصلحة التبعية القبلية العائلية، ولم يكن جيش الوطن إلا القليل من منتسبيه ، وهم النسبة الأقل حضوراً وتأثيراً.
هكذا هو المشهد باختصار، وبالمنطق وبكل تجرد. هكذا أصبحت مواقف النخب والعوام من الشعب، كلا متخندق متعصب لطرف هو بالاصل جزء من المشكلة والفساد، وليس أفضل من غيره. فقط هي النسب تختلف في عمل وفساد كل طرف عن غيره، تزيد أو تنقص.
وهنا نقول: ما أحوج الوطن اليوم والمواطن إلى الدولة الحقيقية والقيادة الاستثنائية التي تحمل مشروع وطن وشعب ومصلحته العليا. فلن يستعيد الوطن عافيته بالتعصب ولا باتباع المصالح والتخندق لأجلها مع هذا الطرف أو ذاك، بل يجب الوقوف مع الحق، مع الوطن، مع من ينشد الدولة ومفهوم الدولة التي تحتوي الجميع وتهذب سلوك الجميع بالنظام والقانون وتستخدم عصا الترهيب تارة وزهور الترغيب تارة أخرى. تعالج السرطان الذي نخر جسم الدولة وشكل الدولة والعمل المؤسسي الوطني فيها، وتنحت في جدار اليأس ثقرة للأمل والنور. وحين تكون القيادة مع الوطن قولاً وفعلاً، وليس شعاراً وخطاباً، لا شك أن الشعب سيقف معها لأنه شبع من وضع اللا دولة ومن اتباع الفرق المتصارعة على الساحة المستثمرة لآلامه وفقرة وتجهيله حتى يصبح يصارع لاجل البقاء تابع وجاهل .
فحين يجتهد العقل منطقياً، لا أمل في الجميع بحكم معطيات الواقع والزمن المهدور من ٢٠١٥ حتى يومنا هذا. ولكن بالأمل والتفاؤل واليقين بوجود الأخيار في كل زمان ومكان مهما كانت ظلمة الواقع، نعيش على هذا الأمل بأن الغد سيكون أجمل، وأن التغيير سيحدث. والأمل بالله أولاً وآخراً، ثم بالأخيار والوطنيين من أبناء هذا الشعب المطحون بالأزمات والحروب والصراعات السرمديه