آخر تحديث :الأربعاء-27 مايو 2026-08:35م

بين وهم الوحدة وسراب الانفصال.. قراءة في مأزق الهوية الوطنية

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 09:52 ص
عيدروس المدوري

بقلم / عيدروس المدوري


لم تكن محطات التاريخ اليمني المعاصر مجرد تواريخ عابرة في الروزنامة السياسية، بل مثلت لحظات مفصلية أعادت تشكيل الجغرافيا والهوية والبنية الاجتماعية والسياسية في الجنوب. وبين 22 مايو 1990 و21 مايو 1994، وصولاً إلى خطاب “الجنوب العربي” المعاصر، تشكلت سلسلة طويلة من الأسئلة المؤلمة حول الدولة والشرعية والهوية والمشروع السياسي الذي لا يزال حتى اليوم يبحث عن مرجعية صلبة وواضحة.


يصف كثيرون يوم 22 مايو 1990 بأنه يوم الوحدة اليمنية، غير أن قطاعاً واسعاً من الجنوبيين يراه من زاوية مختلفة تماماً، باعتباره اليوم الذي جرى فيه التنازل عن دولة كانت تمتلك مؤسساتها وحدودها ونظامها السياسي، لصالح وحدة اندماجية لم تُبنَ على أسس دستورية ومؤسسية متينة. وفي نظر هؤلاء، فإن الخطأ الاستراتيجي لم يكن في مبدأ الوحدة ذاته، بل في الطريقة التي أُنجزت بها، دون ضمانات حقيقية تحفظ التوازن بين الطرفين أو تحمي فكرة الدولة من هيمنة مراكز النفوذ التقليدية.


لقد دخل الجنوب الوحدة وهو يحمل تجربة دولة مدنية بمؤسسات واضحة، لكنه وجد نفسه تدريجياً داخل بيئة سياسية مختلفة تقوم على النفوذ القبلي والعسكري وشبكات المصالح، الأمر الذي أدى ـ بحسب هذا الطرح ـ إلى تآكل كثير من المكتسبات المدنية التي كان الجنوب يعتز بها. ومع مرور الوقت، تحولت فكرة الدولة إلى إطار هش، تتقدم فيه موازين القوة على حساب القانون والمؤسسات.


وعندما أُعلن فك الارتباط في 21 مايو 1994، بدا الأمر بالنسبة للكثيرين محاولة لتصحيح المسار واستعادة الدولة السابقة. غير أن تلك اللحظة، وفق القراءة النقدية، لم تُحسن معالجة المأزق السياسي والقانوني الذي نتج عن الوحدة. فبدلاً من العودة الواضحة إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية باعتبارها دولة معترفاً بها دولياً، دخل الخطاب السياسي الجنوبي في مساحة رمادية، اختلطت فيها الرموز القديمة بخطابات ومفاهيم جديدة غير محددة المعالم.


ومن هنا بدأت واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في القضية الجنوبية، حيث بات الخطاب السياسي يرفع علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بينما يتحدث في الوقت ذاته عن “استعادة دولة الجنوب العربي”، رغم أن هذا المسمى لم يتشكل تاريخياً كدولة ذات سيادة كاملة واعتراف دولي واضح وحدود ودستور ومؤسسات مستقلة بالمفهوم القانوني الحديث.


هذا التناقض بين الرمز السياسي والمسمى المطروح خلق حالة من الارتباك في تعريف المشروع نفسه. فالمجتمع الدولي يتعامل عادة مع الوقائع القانونية والتاريخية الواضحة، بينما تبدو القضية الجنوبية أحياناً وكأنها تتحرك بين مرجعيتين مختلفتين؛ مرجعية دولة سابقة معروفة، ومرجعية أخرى أقرب إلى توصيف سياسي أو عاطفي غير مكتمل الأركان.


إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في المطالبة بالاستقلال أو استعادة الدولة، بل في غياب مشروع سياسي متماسك يجيب بوضوح عن سؤال: أي دولة يراد استعادتها؟ وما هي مرجعيتها القانونية والدستورية؟ وكيف يمكن إقناع الداخل والخارج بها؟


لقد أثبتت العقود الماضية أن العاطفة وحدها لا تكفي لبناء مشروع وطني قابل للحياة، كما أن تكرار الأخطاء التاريخية لا يصنع مستقبلاً مستقراً. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بالشعارات المتناقضة أو بردود الفعل، بل تحتاج إلى رؤية سياسية عميقة تدرك الفارق بين الحنين إلى الماضي وبين بناء مشروع دولة حديثة وقابلة للاستمرار.


واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك التحولات، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة التجربة الجنوبية بعقلانية وواقعية سياسية، بعيداً عن التخندق والشعارات. فاستعادة الدولة ـ أيّاً كان شكلها ـ تبدأ أولاً من وضوح الفكرة، وتوحيد المرجعية، وبناء مشروع سياسي يستند إلى التاريخ والقانون والمؤسسات، لا إلى التناقضات الرمزية أو الخطابات المتغيرة.


وربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي التوقف أمامه، أن الشعوب لا تنجح في استعادة أوطانها إلا حين تمتلك تعريفاً واضحاً لما تريد استعادته، وكيف ستبنيه، وبأي أدوات ستقنع العالم بعدالة مشروعها وقابليته للحياة.


غرفة الأخبار / عدن الغد