آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-09:27م

من دمشق إلى حلب.. حين تصبح العاصمة سؤالاً جيوسياسياً للدولة..

الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 05:32 م
د. سلطان مشعل

ليست العاصمة في علم السياسة مجرد مدينة تتكدّس فيها الوزارات والمؤسسات الرسمية وإنما تعتبر التعبير الأعلى عن فلسفة الدولة ومركز ثقلها الجيوسياسي ونقطة التقاء الجغرافيا بالتاريخ والديموغرافيا والاقتصاد والهوية.


وعبر التاريخ لم تكن العواصم كيانات مقدسة ثابتة؛ بل خضعت دوماً لمعادلات القوة والتحولات الكبرى. فالدول حين تعيد تعريف مصالحها أو تواجه اختلالات بنيوية عميقة تلجأ أحايينَ كثيرة إلى إعادة رسم مركز القرار نفسه وذلك بنقل العاصمة أو إعادة توزيع الثقل السياسي والإداري داخل الدولة.


من هنا لا يبدو الحديث عن مستقبل العاصمة السورية ترفا فكريا بقدر ما هو سؤال استراتيجي يتعلق بشكل الدولة السورية المقبلة والواعدة بنفس الوقت ناعيك عن طبيعة توازناتها وأهميتها الجيوسياسية بعد عقود طويلة من التناغم بين مشاريع التآكل التي استهدُفت بها سوريا.

لقد كانت دمشق لقرون طويلة إحدى أعظم حواضر العالم عموما وليس الشرق خاصة بل ومركزا حضاريا وسياسيا بالغ التأثير في التاريخ العربي والإسلامي والعالمي غير أن قيمة العواصم لا تُقاس فقط برمزيتها التاريخية فقط بل بقدرتها المستمرة على أداء وظيفة الدولة الحديثة وفي مقدمتها:

الإمساك بالأطراف، وصناعة التوازنات، واحتضان الثقل الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي للدولة.

وهنا يبرز السؤال الحرج:

هل ما تزال دمشق قادرة على أداء هذه الوظيفة بالفاعلية نفسها؟!

ففي الحسابات الجيوسياسية المعروفة تبدو العاصمة الناجحة تلك التي تملك مرونة جغرافية وعمقا اجتماعيا وقدرة على الاتصال الحيوي بمراكز الثقل السكاني والاقتصادي، إضافة إلى هامش أمني واستراتيجي يسمح بإدارة الدولة لا مجرد تمثيلها الرمزي.


وفي ضوء التحولات السورية الكبرى خلال العقدين الأخيرين تراجعت الكثير من هذه العناصر بصورة لافتة، ما يفتح الباب أمام نقاش لم يعد مستحيلًا:

هل تحتاج سوريا إلى إعادة تموضع لعاصمتها السياسية؟

قد تبدو الفكرة صادمة للوهلة الأولى لكنها ليست غير مسبوقة تاريخيا.

فدول كثيرة نقلت عواصمها حين شعرت أن العاصمة القديمة لم تعد تعبّر عن مركز القوة الحقيقي،د أو لم تعد قادرة على استيعاب التوازنات الجديدة للدولة.

وفي الحالة السورية تبدو مدينتا حلب وحماة مرشحتين طبيعيتين لهذا النقاش لا بوصفهما بديلا رمزيا عن دمشق! بل باعتبارهما تمثلان ثقلا جغرافيا واجتماعيا وتاريخيا مختلفا.

فـ "حلب" بحكم موقعها الاقتصادي والتجاري والتاريخي كانت دائما أقرب إلى مفهوم "العاصمة الاقتصادية الكبرى" كما أنها تمثل نقطة اتصال استراتيجية مع العمق التركي والآسيوي، فضلا عن امتلاكها وزنا ديموغرافيا وثقافيا يصعب تجاوزه في أي مشروع وطني سوري جديد.


أما "حماة" فهي تمثل عقدة جغرافية وسطية داخل سوريا وتحمل رمزية اجتماعية وسياسية عميقة في الوعي السوري الحديث إلى جانب موقعها الذي يمنحها قدرة أكبر على الربط بين الشمال والجنوب والداخل السوري عموما.

وفي المقابل يرى بعض الباحثين أن الإصرار التاريخي خلال مرحلة الانتداب الفرنسي على تكريس دمشق مركزا حصريا للسلطة لم يكن منفصلا عن اعتبارات تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات داخل سوريا والمنطقة. فالعواصم ليست اختيارا هندسيا بريئا دائما بل كثيرا ما تكون جزءا من هندسة النفوذ وإدارة المجال السياسي والاجتماعي.


ومن هذا المنطلق فإن إعادة التفكير بموقع العاصمة السورية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها استهدافا لدمشق أو انتقاصا من مكانتها التاريخية، بل باعتبارها محاولة لطرح سؤال أكبر مفاده:

كيف يمكن بناء دولة سورية أكثر توازنا وقدرة على الاستقرار بعد قرن كامل من الانقلابات والصراعات والاختلالات البنيوية؟

إن مستقبل الدول لا يُبنى على العاطفة وحدها بل على القدرة على مراجعة المسلمات حتى تلك التي تبدو راسخة في الوعي الجمعي.

وقد يكون أخطر ما تواجهه المنطقة العربية اليوم ليس غياب الموارد أو الإمكانات! بل العجز عن طرح الأسئلة الكبرى بشجاعة سياسية وفكرية.

وإذا لم تتولد الشجاعة الفكرية والسياسية في عصر الرئيس أحمد الشرع فمتى عساها أن تتولد؟!!

لهذا فإن النقاش حول العاصمة السورية ينبغي أن يُفتح بعقل الدولة لا بانفعال السياسة وبمنطق المصالح العليا لا بمنطق الرموز وحدها.


فالعواصم - أيها العرب - ليست الثابت الذي لا يمكن أن يتغير!.


ويبقي السؤال:

أكو عرب؟!