لا يهمني عادل الحسني في شيء. أنا أعيش في عدن وأرى كل شيء منذ سنوات طويلة لكن لا أحد يصدق رغم أن كل قاطني هذه المدينة يرون مؤشرات واضحة لبشاعة الواقع الذي نعيشه منذ ما بعد حرب 2015، الحقبة التي لبست ثوب الفضيلة لتحتمي بعهرها وذلها ونجاستها ومنذ 1994 على وجه الخصوص وحتى اليوم لم يحكم هذه المدينة سوى مجموعة من القوادين واللصوص والأوباش والأسوأ أن الجميع بدرجات متفاوتة صار شريكا في حفلة الانحطاط التي تعيشها عدن في العقد الأخير
لا يهمني اسم الفاعل بقدر ما يهمني شكل الجريمة نفسها أنا أعيش هنا في قلب هذا الخراب الذي تعلم كيف يتأنق ويتزين بربطات عنق نظيفة فوق جسد متسخ حتى العظم. لم تكن الحرب الأخيرة وما تلاها مجرد أحداث عابرة، رائيتها تتكرر أمامي كولادة لمدينة قررت أن تأكل أبناءها ببطء دون ضجيج وبكثير من التواطؤ.
الفضيلة هنا ليست سوى قناع رخيص تخفى خلفه شبكة طويلة من الخوف والمصالح والصمت المدفوع الثمن وكل شيء يدار كما لو أنه صفقة الكرامة والدم وحتى المعنى والتاريخ منذ 1994 لم يكن سوى إعادة تدوير لنفس الوجوه ونفس الأدوات ونفس الرغبة القذرة في السيطرة مع تغييرات طفيفة في الشعارات.
لا أبرئ المجلس الانتقالي لكنني لا أدينه باعتباره المتهم الوحيد أو السبب الكامل، هو نتيجة قفزة فوق فراغ صنعته صراعات أكبر منه ، صراعات إقليمية بدأت خلافاتها قبل أن تظهر للعلن بعامين ثم مهدت لحرب قاتل فيها الأخ أخاه في خور مكسر في واحد من أبشع مشاهد الصراع التي يمكن أن تعيشها مدينة.. فصائل مرتزقة تقف خلفها دول متنفذة تصفي حساباتها على أجساد عدن، مدينة بدت لهم كغنيمة سهلة، كجسد مفتوح لشهوتهم السياسية فاستثيرت أنيابهم وتجبّر قادتهم حتى بلغوا حد التلذذ بإهانة شعبها وتسخير أبنائها لقتال بعضهم وسقوط دماء بريئة كل ذنبها أنها وضعت داخل هذه اللعبة القذرة
لا أحد بريء تماما ولا أحد مذنب وحده المجلس الانتقالي ليس استثناء لكنه أيضا ليس القصة كلها، الخلافات التي بدت سياسية في ظاهرها كانت في حقيقتها تمهيدا لمسرح دموي حيث يقف الأخ مقابل أخيه لا بدافع الكراهية وإنما بدافع التوجيه، أتحدث من منطلق من عاش بين دهاليز السياسة والصحافة والواقع وكنت حينها قاطنا في حي الشابات في خور مكسر حيث رأيت بأم عيني إخوة يسعفون إلى مستشفى الجمهورية وبجوارهم عشرات متكدسة تصرخ خدعونا لم نكن نريد أن نقاتل لا شأن لنا بهذا الصراع المريض، كان الإعلام حينها يمارس لعبته القذرة، ينفي سقوط أي ضحايا في تبادل القصف بين معسكرين في الحي ذاته يقصف كل منهما الآخر وهو لا يفهم لماذا يفعل ذلك ولماذا تتساقط عليه القذائف
كانت صغيرتي نايا شاهدة على ذلك الرعب الذي سكن أمها وع
لى عجزي عن دفعهما إلى مكان آخر بعيدا عن الخوف حتى إنني كنت أنقل عبر صفحتي أحداث القصف بنبرة ساخرة تتحدى عبث الواقع، كانت خور مكسر بالنسبة لي مرآة كبيرة هناك انكشفت المدينة لنفسها ورأيت قبحها عاريا فقررت مغادرتها وعدت بعد عامين إلى الشيخ عثمان التي هربت منها وكرهتها وكان أمنها حينها بيد مرتزقة يراهنون على ولاءات خارجية غادروا المشهد ثم عادوا في الأشهر الأخيرة بذات الرداء الرخيص ثوب الشرعية المرتهنة.
دون أن يكون للعقيدة أي دور أو دافع، كانت هناك ثمة بنادق بلا قضية. وهذا ما ساهم لاحقا في بروز المجلس الانتقالي كعامل صعب ينمو ببطء في الواقع السياسي رغم حماقته معيدا للقضية الجنوبية بعض زخمها وفي الوقت ذاته مثقلا بفشله وفساده بعد انضمام قيادات سابقة إليه حملت معها إرث فساد النظام السابق لتورثه لهذا الجيل المتعطش فحرفت مساره عن حلم كان أكبر من الجميع، حلم الانتصار لمظالم عقود من التهميش لجيل كان يحمل أحلاما عظيمة سقطت قبل أن تجد طريقها للحياة
وفي الوقت الذي بدأت فيه القضية تكشف جرائم الشمال الممنهجة تجاه الجنوب ممثلة بحزب الإصلاح الذي لم يتنفس بكل تلك الحرية إلا بعد تحولات إقليمية معروفة، كانت المدينة قد اغتصبت بالكامل من رجال يتنافسون على التحول إلى أدوات في يد من يدفع أكثر، عدن لم تكن كذلك بطبيعتها لكنها أجبرت على لعب هذا الدور حتى صدق الجميع الحكاية.
الأكثر إيلاما ليس ما فعلوه بنا بل ما جعلونا نفعله بأنفسنا أن يساق أبناء المدينة لقتل بعضهم وأن يعاد تعريف البطولة كقدرة على الضغط على الزناد وأن تختزل الحياة في نجاة مؤقتة داخل فوضى دائمة. هنا لا تقاس الخسارة بعدد القتلى فقط وإنما بعدد الذين اعتادوا المشهد وصاروا يرونه طبيعيا كجزء من طقس يومي لمدينة فقدت دهشتها وربما آخر ما تبقى من روحها!
وربما الأخطر أن المدينة لم تعد تصرخ، الصمت لم يعد موقفا وبات طبيعة ثانية امتزجت في وجوه الناس، حتى بدونا غرباء في وجوه بعضنا لا شأن لنا سوى التحسر على هذا الرخص والضجيج الذي استنزف حتى آخ
ره وترك خلفه هدوءا ثقيلا يشبه ما بعد الكارثة حين لا يعود أحد يملك طاقة للدهشة أو الاعتراض.
في عدن لم يعد الخراب طارئا وأصبح مقيما وقحا يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة في انقطاع الكهرباء الذي يشبه انقطاع المعنى، وفي وجوه الناس التي فقدت قدرتها على الغضب وفي الأحاديث التي تبدأ بالسياسة وتنتهي باليأس، كل شيء يعاد تشكيله ليخدم فكرة واحدة أن لا شيء سيتغير حتى اللغة نفسها تآكلت الكلمات التي كانت تحمل وزنا أخلاقيا صارت خفيفة مستهلكة تقال بلا إيمان، الوطن، الكرامة، الحرية، مفردات تمر بين الأيدي كعملات مزورة دون أن يصدقها أحد.
وفي هذا كله ينشأ جيل لا يعرف الفرق بين الطبيعي والمشوه يرى السلاح جزءا من المشهد والانقسام قدرا والخيانة خيارا ممكنا لا صدمة فيه جيل يتعلم مبكرا أن النجاة أهم من الحقيقة وأن الانحياز ليس للقيم وإنما لمن يملك القوة. المدينة التي كانت يوما ميناء للعالم صارت ميناء للخوف لا تستقبل السفن بقدر ما تستقبل الإشاعات ولا تصدر إلا الحكايات المكسورة وحتى البحر الشاهد الصامت بدا كأنه تعب من تكرار المشهد فتراجع قليلا كمن يحاول ألا يرى.
وهنا في هذا الركام غير المرئي يصبح السؤال أكثر قسوة هل ما زال بالإمكان استعادة شيء أم أننا تجاوزنا تلك النقطة التي لا عودة بعدها، ربما لم تهزم المدينة حين سقطت وإنما هزمت حين سكت الجميع على موت ابنها الوفي أمجد الشاب المثقف الذي حمل على عاتقه أحلام مدينة كاملة وعاش لها كأنها حلمه ثم قتل في لحظة خاطئة وأدوار لا شأن له بها ولو كان خارج المدينة حينها لما حدث له شيء وربما لما سقطت أنا أيضا كل تلك الأعوام في التيه والخراب.