آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-10:30م

من حكمة الديار إلى رحابة الحوار

الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 09:41 م
د. سمير أحمد بوست

بقلم: د. سمير أحمد بوست


يروي كبار السن حكاية تختصر الكثير من معنى الاستقرار وفلسفة البقاء وحق الأوطان في الحياة؛ يقولون إن الأجداد حين كانت تشتد بينهم الخلافات وتضيق المسافات، لم يكن حكماؤهم وعقلاؤهم يسألون: من الأقوى؟، بل كان سؤالهم الوحيد: كيف تبقى الديار آمنة وتتسع للجميع؟. كانوا يدركون بفطرتهم الصافية أن أي انتصار يقوم على كسر الآخر هو انتصار مؤقت، وأن المجتمعات لا تستقر بالغلبة وحدها، بل بالتوازن، والاحتواء، وحسن إدارة التنوع بروح الشراكة الحقيقية، والقدرة على تحويل الاختلاف إلى مساحة للتعايش لا إلى سبب للانقسام. واليوم، ونحن نمر بمنعطفات دقيقة في شبوة والجنوب واليمن عموماً، تبدو هذه الحكمة القديمة أكثر حضوراً من أي وقت مضى؛ فالاستقرار الحقيقي لا يعني غياب الأصوات المختلفة، بل يعني أن يشعر الجميع أن لهم مكانًا آمنًا تحت سقف الوطن، دون خوف، أو وصاية، أو إقصاء.


ومن هذا المعنى الإنساني العميق، ينبغي ألا تتحول فكرة “وحدة الصف”، وهي قيمة وطنية عظيمة، إلى مطالبة غير مباشرة للناس بالصمت أو التبعية السياسية الكاملة. فالتنوع في الآراء والانتماءات ليس خطراً على المجتمعات الطبيعية الحية، بل أحد أسباب حيويتها واستقرارها. والمشكلة لا تبدأ عندما يختلف الناس، بل عندما يُختزل المشهد في صوت واحد، أو يُخيّل للبعض أن الحقيقة لا تتسع إلا لرؤية واحدة. لذلك فإن ظهور أصوات تطالب بالتوازن والشراكة والعدالة في الحضور ليس موقفاً ضد الدولة أو ضد الاستقرار، بل تعبير طبيعي عن حاجة الإنسان للاطمئنان على مستقبله ومستقبل أبنائه، والشعور بأن له مكاناً محفوظاً في وطنه ومحافظته.


ولو اقتربنا أكثر من تفاصيل الحياة اليومية، لوجدنا أن المواطن البسيط لا يعيش داخل صراعات النخب بقدر ما يعيش داخل همومه الصغيرة والكبيرة؛ فهو لا يبحث عن خطابات مرتفعة بقدر ما يبحث عن كهرباء مستقرة، ومياه تصل إلى بيته، وتعليم يحفظ مستقبل أطفاله، وفرص عمل عادلة تفتح أبواب الحياة الكريمة أمام الشباب بعيداً عن المحسوبية والاستقطاب. ولهذا، فإن أكثر ما تحتاجه المجتمعات اليوم ليس تضخيم الخلافات، بل بناء الثقة، وتحويل الطاقات السياسية والاجتماعية نحو خدمة الناس وتحسين معيشتهم. فكرامة الإنسان، في النهاية، هي الأرضية الأصدق التي يلتف حولها الجميع، ومنها يبدأ الاستقرار الحقيقي.


وفي السياق ذاته، فإن قوة أي قيادة أو مشروع سياسي لا تُقاس بعدد المؤيدين أو المصفقين حوله، بل بقدرته على استيعاب المختلفين معه وطمأنتهم. فالقائد الواثق لا يخشى الحوار، والدولة القوية لا تضيق بالتنوع، والمجتمعات الناضجة لا تبني استقرارها على الإقصاء. ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى خطاب هادئ ومتزن، يبتعد عن التخوين والاستعلاء، ويقترب أكثر من لغة العقل والمسؤولية والشراكة؛ لأن المجتمعات المنهكة لا تتحمل المزيد من الاستقطاب بقدر حاجتها إلى من يفتح النوافذ للحوار والتقارب.


هذا الوعي المتوازن يمثل حجر الأساس لأي مسارات قادمة على كافة الاصعدة والمستويات، المحلية والوطنية وحتى الإقليمية والدولية، سواء في إطار الحوار الجنوبي – الجنوبي، أو في أي حوار وطني شامل يسعى للوصول إلى حل دائم وعادل للأزمة اليمنية. ولعل الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وهم يقودون جهوداً كبيرة في التهدئة وبناء السلام، يدركون أن الحلول المستدامة لا تُصنع بالخطوات الأحادية، بل حين يشعر الجميع بأن فرص المشاركة متاحة ومتوازنة ومحكومة بالقانون والعدالة. فالعالم اليوم لم يعد يبحث عن انتصارات مؤقتة، بل عن بيئات مستقرة قادرة على استيعاب الجميع وتحويل الاختلاف إلى مساحة تفاهم لا إلى وقود صراع.


تبقى، ختاماً، الحقيقة الأهم التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا: أن الأشخاص والقيادات وحتى المشاريع السياسية يذهبون ويأتون، أما الأوطان فتبقى بأهلها وذاكرتها ووجدانها الجمعي. ولن تستقر شبوة، ولن يهدأ الجنوب أو اليمن، إلا عندما يشعر كل إنسان أن كرامته محفوظة، وأن الاختلاف في الرأي ليس تهمة، وأن الوطن يتسع للجميع دون استثناء. لقد آن الأوان لأن نعيد الاعتبار للحكمة القديمة التي حفظت هذه المجتمعات عبر الزمن: أن الديار لا تُبنى بكسر الإرادات، بل بالحكمة، والعدالة، وثقافة الشراكة، والقدرة على تحويل التنوع من مصدر قلق إلى مصدر قوة وأمان.. أولاً وأخيراً.