آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-10:30م

منجز التاريخ ومعركة المستقبل،،

الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 07:32 م
عبدالعزيز الحمزة

في الذكرى السادسة والثلاثين لقيام الوحدة اليمنية، نقف أمام أعظم منجز وطني تحقق في التاريخ اليمني الحديث، يوم انتصر اليمنيون لفكرة الوطن الكبير على حساب التشطير والانقسام والتشرذم، وكتبوا في الثاني والعشرين من مايو 1990م صفحة جديدة من تاريخ اليمن، عنوانها دولة واحدة، وشعب واحد، ومصير واحد.

لقد جاءت الوحدة اليمنية في لحظة دولية شديدة التعقيد والتحول، مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الوحيدة المهيمنة على النظام الدولي. وفي خضم هذه التحولات العاصفة، اتخذ الرئيسان علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض قراراً تاريخياً بالغ الشجاعة، بتجاوز إرث التشطير والصراع، والذهاب نحو تحقيق الوحدة اليمنية، رغم التباينات العميقة بين النظامين السياسيين في الشمال والجنوب، ورغم الإرث المثقل بالصراعات والأخطاء والإخفاقات التي رافقت مرحلة ما قبل الوحدة.

وشهادةً للتاريخ، فإن الإنصاف الوطني يقتضي الاعتراف بأن الفضل الأكبر في تحقيق هذا المنجز التاريخي يعود للرجلين معاً؛ فقد امتلكا في تلك اللحظة الحساسة شجاعة القرار، وغلبا مصلحة اليمن على حساب الحسابات الضيقة، ونجحا في تحويل حلم اليمنيين الممتد عبر عقود إلى واقع سياسي ودستوري قائم.

صحيح أن التجربة الوحدوية واجهت لاحقاً اختلالات كبيرة، وأن الخلاف العميق الذي نشب بين شريكي الوحدة ـ نظام الرئيس علي عبدالله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام من جهة، ونظام علي سالم البيض والحزب الاشتراكي اليمني من جهة أخرى ـ كاد أن يعصف بالمشروع الوطني الوليد، إلا أن تلك الإخفاقات، على خطورتها، لا تلغي القيمة التاريخية العظيمة للوحدة، ولا تنتقص من مكانتها بوصفها الخيار الاستراتيجي الأهم لليمنيين.

لقد كانت الوحدة، في جوهرها، مشروع سلام داخلي واستقرار إقليمي، أغلقت أبواب الصراعات الحدودية والحروب الباردة داخل اليمن، وقدمت نموذجاً نادراً لوحدة تحققت بالحوار والتوافق السياسي لا بالقوة العسكرية. ولهذا شعر اليمنيون آنذاك بأنهم أمام لحظة تاريخية تؤسس لدولة حديثة قادرة على استيعاب الجميع، وإنهاء دوامات الثأر والانقسام.

غير أن التعثر الذي أصاب التجربة لاحقاً فتح المجال أمام عودة المشاريع الصغيرة، وتنامي النزعات المناطقية والطائفية، حتى وصل اليمن إلى أخطر مراحله مع انقلاب مليشيات الحوثي المدعومة من إيران، التي مثلت أخطر تهديد وجودي للدولة اليمنية وللهوية الوطنية الجامعة. فالمشروع الحوثي ليس مجرد تمرد سياسي عابر، بل مشروع سلالي طائفي يسعى إلى نسف الجمهورية، وتقويض الدولة، وتمزيق المجتمع اليمني، وإعادة اليمن إلى عصور الإمامة والكهنوت.

لقد تحول الحوثي إلى خنجر مغروس في صدر الوطن اليمني الكبير، لأنه لم يستهدف السلطة وحدها، بل استهدف فكرة اليمن الواحد، وعمل على تفكيك مؤسسات الدولة، وإشعال الحروب، وربط القرار اليمني بمشاريع خارجية معادية لمصالح اليمن وأمن المنطقة.

وفي المقابل، فإن مشاريع التمزيق والتقسيم، مهما رفعت من شعارات، لا يمكن أن تشكل بديلاً آمناً أو مستقراً، لأن تقسيم اليمن لن ينتج دولاً قوية، بل كيانات هشة ومتصارعة، مفتوحة على التدخلات الخارجية والصراعات المستدامة. فالتاريخ والجغرافيا والمصالح تؤكد أن اليمن حين يضعف يتعرض الجميع للخطر، وحين يتوحد يصبح عامل استقرار وقوة في محيطه الإقليمي.

إن الدفاع عن الوحدة اليوم لا يعني الدفاع عن أخطاء الماضي، بل الدفاع عن المستقبل، وعن فكرة الدولة الجامعة القادرة على استيعاب كل أبنائها بعدالة وشراكة حقيقية، ومعالجة المظالم والاختلالات بروح وطنية مسؤولة، بعيداً عن منطق الثأر والكراهية والتفكيك.

ولذلك فإن استعادة الدولة اليمنية لن تتحقق إلا عبر مشروع وطني جامع، يقوم على إنهاء الانقلاب الحوثي، وتوحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، وبناء دولة مؤسسات حديثة، تتجاوز إخفاقات الماضي وتحافظ على جوهر الوحدة باعتبارها الضمانة الوحيدة لأمن اليمن واستقراره ومستقبله.

وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، وما تشهده المنطقة من إعادة رسم لمعادلات الأمن والطاقة والممرات الاستراتيجية، تبدو اليمن الموحدة أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس لليمنيين وحدهم، بل لأمن المنطقة بأسرها. فاليمن القوي الموحد وحده القادر على التحول إلى شريك استراتيجي فاعل في معادلة الاستقرار والتنمية، بينما اليمن الممزق لن يكون سوى ساحة للفوضى والصراع.

وفي ذكرى 22 مايو، يبقى النداء الوطني الخالد أكثر حضوراً من أي وقت مضى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾.

فلا نجاة لليمن إلا بوحدته، ولا مستقبل له إلا بدولته الجامعة، ولا أمن ولا ازدهار إلا بالقضاء على المشروع الحوثي السلالي، وتجاوز مشاريع التشطير والانقسام، والانتصار لفكرة الوطن الكبير الذي يتسع لكل أبنائه دون استثناء.

المجد لليمن الواحد… والخلود لفكرة الوحدة التي ستبقى، رغم كل العواصف، عنوان بقاء اليمن وقوته وكرامته.

،،،،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦