من المؤلم أن نرى بُلدان عدة توحدت ونمت وتطورت ونهضت تنموياً وإقتصادياً وسياسياً بينما اليمن مازال يعيش بين صراعات داخلية واطماع خارجية، جعلتهُ مُثخنٌ بجراحات غائرةٌ وعلى شفا هاويةٌ أكثر عُمقاً وتمزقاً، حيث ظل اليمن طيلة سنواته العجاف، رهينٌ لحسابات لا تمت للشعب بصلة، ولا ناقة لهم فيها ولا جمل،
فإلى متى يستمر الحال هكذا ؟ وهل انتهت الحلول الممكنة التي تستطيع أن تُخرج اليمن إلى شط النجاة؟ وهل تاهت قيادات ورجالات اليمن لنصل إلى ما وصلنا اليه؟ هل انتهت الحلول والمحاولات لِلّم الشمل وتضميد الجراح وتوحيد الصفوف؟.
تمر مناسبات أعيادنا الوطنية العظيمة ومازلنا في شتات من الأمر وتنافر من القول، ومستمرين في خلافٍ دون جدوى مع سبق الإصرار بأن ما نحن عليه من اختلاف ليس سوى هدراً للطاقات، وضياعاً للوقت، ولا يُلبي مصلحة طرف على آخر.
في المحصلة لم يعد أمام اليمن ترف الانتظار أو خيار البقاء أسيراً للمشاريع الضيقة والأجندة الخارجية المتقلبة، بل أصبح بحاجة مُلحةٌ لتغيير الواقع المجهول، بوعيٌ وطني يتجاوز الجراحات المناطقية والعصبيات الطائفية المقيتة، والخروج برؤية وطنية جامعةٌ وشاملة تضمن وحدة اليمن واستقراره،
وزير الخارجية اليمني الأسبق، الدكتور أبوبكر القربي بالتعاون مع عضو الفريق الاستشاري الدستوري للدعم في اليمن الدكتور "باسل باوزير" قدما رؤية سياسية موسعة لـ"الإدارة الذاتية" للمحافظات كصيغة لمرحلة انتقالية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن، والهادفة إلى "صياغة مرحلة انتقالية تحفظ وحدة الدولة ودستورها، وتضمن تحقيق عدالة توزيع السلطة والثروة بين مختلف الأقاليم والمحافظات" وتخدم استقرار الجمهورية وتماسك مؤسساتها.
كما توجد العديد من الرؤى والأفكار والتشريعات كمخرجات الحوار الوطني الشامل، وغيرها من الآليات الداعمة لأنظمة الحكم المحلي والسلطة المحلية ومنح صلاحيات أوسع لتمكين السلطات المحلية، تحت إطار يضمن للوطن وحدتهُ واستقراره،.
فالوحدة اليمنية وأنظمة الحكم ليست خطوطاً حمراء او خضراء أو صفراء نستعد من خلالها أن نقف او نتجاوز متى ما شئنا او مالت بنا الأمواج، بل قضايا وطنية وتشريعات قانونية لمصير أمة وشعب ظلّ يتشكل ويتحور في ذاكرة الأرض ووجدان الشعوب، لتصبح قدرُ شعبٍ لايقاس بالحدود او الخرائط بل بوعي جمعي بأن المصير والوطن واحد، والقانون فوق الجميع، وما يجب أن يكون عليه هو الإدارة لهذه المرحلة والاستفادة من المراحل التي رافقتها وما نتج عنها، والعمل على تشخيصها ومعالجتها، عبر مصالحة وطنية شاملة وعادلة قائمة على الإنصاف لا الاقصاء، والشراكة لا الإنقسام، واعتبار الوحدة مشروع وطني مستمر لا حدث منتهي، ومناسبةٌ عظيمة لا تُحمى أو تُفرض بالقوة أو بالإكراه بل تُصان بالعدالة وتُبنى بالثقة، والهوية الوطنية الجامعة، والوقوف أمام تجارب الدول الذي عارضت الوحدة وأيدت الإنقسام وعرفت بأن الانفصال لم يكن يوماً طريقاً آمناً للنهضة والبناء بل طريقاً شائكاً وبوابة عبور للصراعات والحروب، فالوحدة اليمنية ليست ذكرى نحتفل بها في يومها السنوي الثاني والعشرون من مايو بل مسؤولية نُجدّدها كل يوم، فالوطن أكبر من أن يُختزل في صِراع عابر ، وأعمق من أن يُمزّقُ بخلافٍ سياسي جائر . فإما أن يكون مشروعاً جامعاً لكل وبكل أبنائه، أو يظل ساحةً مفتوحة لكل الأزمات والصراعات، ليصبح السقوط في الهاوية قدراً لا مفر منه !