متى سندرك أن قيمة التعليم ليست في كثرة المباني ولا في عدد الشهادات التي تُعلّق على الجدران، بل في نوعية المخرجات، وفي قدرة الشاب على أن يجد لنفسه مكانًا كريمًا في سوق العمل؟
متى سنفهم أن التعليم الحقيقي ليس ذلك الذي يكدّس الخريجين عامًا بعد آخر، بل الذي يصنع إنسانًا قادرًا على العمل والإنتاج وبناء حياته بكرامة؟
لقد عشنا سنوات طويلة ونحن نربط النجاح بمجرّد دخول الجامعة، وكأن الحصول على الشهادة وحده كافٍ لصناعة المستقبل.
كبرت أجيال كاملة وهي تؤمن أن الطريق الوحيد للحياة يبدأ من قاعات المحاضرات وينتهي بوظيفة مضمونة، لكن الواقع كان أقسى من الأحلام.
اليوم، آلاف الخريجين يحملون شهاداتهم ويقفون في طوابير البطالة، لا لأنهم فاشلون، بل لأن التعليم الذي حصلوا عليه لم يعد يواكب احتياجات السوق ولا متطلبات العصر.
المشكلة لم تعد في عدد المدارس أو الجامعات، بل في السؤال الأهم: ماذا تنتج هذه المؤسسات؟
هل تصنع مهارات؟
هل تؤهل الشباب لحياة حقيقية؟
هل تمنحهم فرصة للمنافسة في سوق عمل يتغير بسرعة مذهلة؟
أم أنها ما تزال تكرر النموذج نفسه منذ عشرات السنين دون أن تسأل نفسها: إلى أين يذهب الخريجون بعد التخرج؟
كم من شاب أنهى الثانوية أو الجامعة ثم حمل حقيبته مغتربًا بحثًا عن لقمة العيش؟
وكم منهم يعمل اليوم في مهن بسيطة بدخل محدود لا يساوي مرارة الغربة ولا سنوات الدراسة الطويلة؟
المؤلم أن كثيرًا من هؤلاء الشباب لو امتلكوا تعليمًا تقنيًا أو مهنيًا حديثًا إلى جانب التأهيل الأكاديمي، لكانت فرصهم أكبر، ودخلهم أفضل، وخياراتهم أوسع.
كلنا نعرف هذه الحقيقة، لكننا نتعامل معها وكأنها أمر عابر.
العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، بينما جزء كبير من تعليمنا ما يزال أسير الماضي.
العالم اليوم لا يبحث عن حافظ للمعلومات بقدر ما يبحث عن صاحب مهارة.
يبحث عن فني محترف، ومبرمج مبدع، وخبير شبكات، ومتخصص في الطاقة، وتقني قادر على حل المشكلات والعمل والإنتاج.
أما نحن فما زلنا نُخرّج أعدادًا هائلة من الطلاب في تخصصات لم يعد السوق بحاجة إليها بنفس الحجم، ثم نتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم بعد التخرج.
في تعز، المدينة التي عُرفت طويلًا بأنها مدينة العلم والثقافة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا.
كم تمتلك تعز من مدرسة؟
الكثير… لكن الفصول أصبحت خاوية في أماكن عديدة.
وكم تمتلك من الكليات؟
كثيرة أيضًا… لكن السؤال الأهم: أين الكليات التقنية والمهنية الحديثة؟
أين الأقسام التي تواكب التطور العالمي وتمنح الشباب مهارات يحتاجها السوق فعلًا؟
كليات مثل التربية والآداب، التي كانت يومًا من أكثر الكليات ازدحامًا، أصبحت اليوم تعاني من عزوف واضح، وبعض أقسامها أُغلقت بالفعل، وأقسام أخرى تلحق بها عامًا بعد آخر، لأن مخرجاتها لم تعد تلائم سوق العمل كما كانت في السابق.
وهنا لا نقلل أبدًا من قيمة المعلم أو المثقف أو العلوم الإنسانية، فهذه التخصصات ستظل أساسًا مهمًا في بناء الوعي والمجتمع، لكن المشكلة أن يبقى التعليم يدور في المسار نفسه بينما العالم كله يتجه نحو التخصصات التطبيقية والتقنية والمهنية.
المجتمعات الناجحة لا تُقاس بعدد الشهادات فقط، بل بعدد القادرين على الإنتاج وصناعة الحياة.
الدول التي نهضت لم تفعل ذلك عبر التلقين والحفظ، بل عبر بناء الإنسان القادر على العمل والابتكار.
هناك، لا يُنظر إلى التعليم المهني كخيار أقل قيمة، بل كأحد أهم أعمدة الاقتصاد والتنمية.
في تلك الدول يُحترم الفني الماهر كما يُحترم الطبيب والمهندس، لأن الجميع يدرك أن النهضة تحتاج إلى كل يد منتجة وكل عقل مبدع.
أما نحن فما زلنا أحيانًا نحارب الفكرة نفسها، وننظر إلى التعليم المهني وكأنه خيار من لم ينجح، بينما الحقيقة أن المستقبل أصبح قائمًا على المهارة أكثر من أي وقت مضى.
حين نمنح أبناءنا تعليمًا مهنيًا وتقنيًا حديثًا، فنحن لا نغيّر مجرد مبنى أو نضيف قسمًا جديدًا، بل نغيّر مستقبلًا كاملًا.
نحن نصنع شابًا قادرًا على الاعتماد على نفسه، ونفتح بابًا جديدًا للاقتصاد، ونقلل من البطالة، ونمنح المجتمع طاقات منتجة بدل أن تبقى عالقة بين الانتظار والإحباط.
تخيل لو أن في تعز كليات تقنية متطورة تضم تخصصات البرمجة، والطاقة الشمسية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات، والتصميم الرقمي، والتقنيات الطبية، والصيانة الصناعية.
كم شابًا كان سيجد فرصته؟
وكم أسرة كانت ستتغير حياتها؟
وكم مشروعًا صغيرًا كان سيتحول إلى مصدر رزق واستقرار؟
إن الدفاع عن التعليم المهني والتقني ليس دفاعًا عن حالة معينة أو مشروع محدود، بل دفاع عن فكرة طريق أفضل.
دفاع عن حق الشباب في أن يجدوا تعليمًا يقودهم إلى الحياة لا إلى البطالة، إلى الفرصة لا إلى الانتظار، إلى الإنتاج لا إلى الإحباط.
نحن بحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم التعليم بالكامل.
بحاجة إلى تعليم يرتبط بالحياة وسوق العمل، لا تعليم يكتفي بإعطاء الشهادات ثم يترك أصحابها يواجهون المجهول.
بحاجة إلى رؤية تفهم أن بناء الإنسان أهم من بناء الجدران، وأن جودة المخرجات أهم من كثرة الأرقام.
فالوطن لا ينهض بكثرة الجامعات وحدها، بل بنوعية ما تصنعه تلك الجامعات.
ولا يبنى بالشهادات فقط، بل بالعقول التي تعمل، والأيدي التي تنتج، والشباب الذين يجدون في وطنهم فرصة حقيقية للحياة الكريمة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا اليوم بكل شجاعة هو:
هل نريد تعليمًا يمنح أبناءنا أوراقًا فقط… أم مستقبلًا حقيقيًا؟