هذا عصر ما بعد التفرد الأمريكي .. صحيح أن قوة الولايات المتحدة ما تزال قائمة، لكن هيمنتها تتراجع. فأمريكا اليوم تقاتل لمنع سقوط هيمنتها، أكثر مما تقاتل من أجل فرض نظام عالمي جديد أو إحداث تغييرات كبرى في شكل العالم.
تحاول واشنطن استعادة تركيزها وإعادة تثبيت حضورها كقوة مهيمنة، بعد أن أدركت أن ما حدث خلال السنوات الماضية لم يخدمها بقدر ما خدم منافسيها. فموسكو وبكين استفادتا من تشتيت الجهد الأمريكي عبر فتح جبهات متعددة تستنزف واشنطن وتُنهك قدرتها على التأثير والسيطرة.
لكن، هل فقدت أمريكا قدرتها على إدارة العالم؟
العالم اليوم لا يتجه بالضرورة نحو حرب عالمية شاملة، بقدر ما يدخل مرحلة طويلة من الصراعات المتزامنة، تُدار فيها القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية كحزمة واحدة، لا كملفات منفصلة.
وفي قلب هذا التحول، تبدو الولايات المتحدة أمام معضلة تاريخية: كيف تحافظ على هيمنتها العالمية في عالم لم يعد يقبل بالهيمنة المطلقة؟
فواشنطن ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأكبر في العالم، لكنها لم تعد تمتلك القدرة نفسها على فرض رؤيتها السياسية وإدارة النتائج كما فعلت بعد الحرب الباردة.
الفارق اليوم أن القوة الأمريكية ما تزال قائمة، بينما تتآكل الهيمنة بوصفها قدرة على صياغة القواعد والمعايير، وإقناع الآخرين بها دون الحاجة إلى الإكراه المستمر.
على مدى العقود الماضية، بُني النفوذ الأمريكي على ثلاثة عناصر مترابطة .. التفوق العسكري، والسيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، والصورة الذهنية التي قدمت الولايات المتحدة باعتبارها النموذج السياسي والأخلاقي القائد للنظام الدولي، لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تصدعات عميقة في هذه المعادلة.
فالحروب الطويلة في العراق وأفغانستان استنزفت الموارد الأمريكية وأضعفت صورة القوة التي لا تُهزم، بينما أظهرت الأزمات الاقتصادية والانقسامات الداخلية أن واشنطن نفسها تعيش حالة ارتباك بشأن دورها العالمي وحدود قدرتها على الاستمرار في إدارة نظام دولي بالغ التعقيد.
وفي الوقت ذاته، لم تعد الولايات المتحدة تحتكر أدوات القوة كما في السابق.
فالصين اقتربت من منافستها اقتصادياً وتقنياً، وروسيا استعادت جزءاً من حضورها العسكري والجيوسياسي، فيما بدأت قوى إقليمية أخرى بإعادة صياغة حساباتها وتحالفاتها بعيداً عن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية.
لهذا السبب، تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية أقرب إلى محاولة تثبيت الهيمنة ومنع تآكلها، أكثر من كونها مشروعاً لفرض نظام عالمي جديد.
فواشنطن تدرك أن أي انسحاب واسع سيفتح المجال أمام منافسين دوليين لملء الفراغ، لكنها تدرك أيضاً أن التورط العسكري المباشر واسع النطاق قد يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية هائلة، دون ضمان القدرة على التحكم بالنتائج.
ومن هنا يمكن فهم سياسة الاحتواء المرن التي تتحرك بها الإدارة الأمريكية .. الحفاظ على شبكة التحالفات، وإدارة التوازنات الدولية، ومنع الخصوم من تحقيق اختراقات كبرى، ولكن دون الانزلاق إلى مواجهات شاملة تستنزف القوة الأمريكية أكثر مما تخدمها.
في المقابل، تستفيد موسكو وبكين من هذا التشتيت المتزايد للجهد الأمريكي.
فكلما انخرطت واشنطن في أكثر من ساحة توتر، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو شرق آسيا، ازدادت قدرة القوى المنافسة على توسيع نفوذها بهدوء، عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وبناء التحالفات والمؤسسات الموازية للنظام الغربي التقليدي.
الصين تحديداً تتحرك بمنطق طويل النفس، فهي لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تعمل على إعادة تشكيل موازين القوة تدريجياً عبر الاقتصاد وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والبنية التحتية الدولية.
أما روسيا، فتستفيد من إنهاك الغرب واستنزاف موارده في صراعات ممتدة، بما يسمح لها بإعادة تثبيت موقعها لاعباً دولياً لا يمكن تجاوزه.
وفي هذا السياق، تبدو المؤسسات الدولية نفسها ساحةً من ساحات الصراع على النفوذ.
فالولايات المتحدة تنظر إلى الأمم المتحدة والمنظمات متعددة الأطراف باعتبارها أدوات ضرورية للحفاظ على نفوذها وشرعيتها الدولية، لكنها في الوقت ذاته تشعر بأن هذه المؤسسات باتت تفرض عليها قيوداً سياسية ومالية لا تنسجم دائماً مع نزعتها الأحادية.
أما الصين، فتقدم نفسها باعتبارها المدافع عن التعددية الدولية والإصلاح التدريجي للنظام العالمي، مستفيدة من اتساع علاقاتها مع دول الجنوب العالمي.
لذلك، فإن العالم لا يشهد نهاية مفاجئة للقوة الأمريكية، بل انتقالاً تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة التوازنات المعقدة.
فالولايات المتحدة لا تزال الأقوى، لكنها لم تعد قادرة على التحكم المنفرد بمسار النظام الدولي، بينما تتقدم قوى أخرى لملء الفراغ وإعادة توزيع النفوذ العالمي.
الخلاصة أن واشنطن اليوم لا تقاتل فقط من أجل مصالحها المباشرة، بل من أجل الحفاظ على موقعها كقوة قائدة للنظام الدولي.
لكنها تواجه معضلة حقيقية .. أي تراجع يهدد مكانتها، وأي تصعيد واسع قد يستنزفها أكثر.
وبين هذين الخيارين، تتحرك السياسة الأمريكية بحذر شديد، فيما تراقب موسكو وبكين هذا التحول التاريخي، وتستفيدان من لحظة إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.