آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-11:27م

الهروب من الحرية ..!!

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 04:02 م
إبراهيم ناصر الجرفي

الأحداث التاريخية خلال مسيرة البشر على كوكب الأرض ، كشفت بأن العديد من البشر يعشقون العبودية والخنوع للظلمة والمستبدين ، بل إن هذا النوع من البشر هم بأنفسهم من يصنعون الطغاة ويشيدون عروشهم ويدافعون عنهم ويمجدونهم ويتلذذون بسياطهم وهي تلسع جلودهم ، وذلك تحت تأثير ثقافة العبودية التي تصنع في داخلهم نفسية العبيد ، تلك النفسية الخانعة التي تبحث فقط عن لقمة العيش التي تبقيها على قيد الحياة ، الحياة البائسة التي تسخرها في خدمة الطغاة والمستبدين ، وهذه الفئة من البشر حتى وهي تتكاثر وتتناسل فإن الهدف من ذلك هو إنتاج أجيال جديدة خانعة ومستعبدة تعمل في خدمة أبناء الطغاة والمتكبرين جيلا بعد جيل ( مصانع لإنتاج المزيد من العبيد ) ، أناس قبلوا على أنفسهم الذل والهوان ولا طموح لهم في العيش بحرية وعزة وكرامة ، بل تراهم وهم يهربون من الحرية ويقفون في صف الجلادين والطغاة عند مواجهتهم لدعاة الحرية والتحرر السياسي والفكري في كل زمان ومكان ، وللأسف هذا النوع من البشر لهم حضور في كل المجتمعات البشرية ..!!


ولم تظهر هذه الثقافة وهذه الفئة إلا بعد انتقال الانسان من الحياة البدائية إلى الحياة المدنية بموجب العقد الاجتماعي الذي بموجبه تم تفويض السلطة لبعض الأفراد والذي أعطاهم الحق بالحصول على بعض وسائل القوة لضبط حياة ومعاملات أفراد المجتمعات المدنية ، والحفاظ على حقوقهم وحرياتهم ، لكن بعد فترة من الزمن استغل القائمين على السلطة القوة والنفوذ ليصنعوا من أنفسهم جبابرة وطغاة ومستبدين في انقلاب واضح على العقد الاجتماعي ، وليتحول تفويض السلطة من أداة لضبط حياة أفراد المجتمع المدني وحماية حقوقهم وحرياتهم إلى أداة للبطش والظلم والاستقواء والسلب والنهب ومصادرة الحقوق والحريات ، وكان القائمين على السلطة في حاجة لأعوان وعبيد لكي يستخدمونهم كأدوات لترسيخ سلطانهم ونفوذهم ، وأدوات للبطش والقمع ضد كل من يعارضهم ويرفض حكمهم وسلطانهم نتيجة انحرافهم عن ما تم الاتفاق عليه بموجب العقد الاجتماعي ، ومن هذه اللحظة انحاز العديد من الأفراد للقائمين على السلطة واعلنوا الانحياز إلى جانبهم بداعي المصلحة أو الطمع أو الخوف ، ليتحولوا مع مرور الأيام إلى فئة من فئات المجتمع قررت التخلي عن حرياتها وحقوقها ، ليصبحوا مجرد عبيد وتابعين يمجدون الحكام والسلاطين ويعظمونهم ، ويبررون أفعالهم وأخطاءهم ، ولا ضير حتى لو استدعى الأمر الموت من أجلهم ودفاعا عن سلطانهم وملكهم ، وهذه الفئة بموقفها هذا قررت الهروب من الحرية ورضيت على نفسها العيش تحت ظلال العبودية ، ولهذه الفئة ثقافتها التي تبرر لها خنوعها وخضوعها وعبوديتها ، والتي يتوارثها عناصر هذه الفئة جيلا بعد جيل ..!!


وهو ما جعل حياة البشر حافلة بالعبودية والظلم والطغيان والجبروت والاستبداد ، ودائما ما كان يقف هذا النوع من البشر في مقدمة الصفوف للدفاع عن الطغاة والمستبدين إذا ما قرر البعض مواجهتهم ووقف ظلمهم ، ودائماً ما كانت سيوف العبيد الخانعين هي من تدافع عن عروش الطغاة المتجبرين ، وهي من تذود عنها وتضحي من أجلها ، وهو ما يؤكد بأن للعبودية عشاق ومريدين في كل زمان ومكان ، عشاق لا يهنأ لهم العيش إلا تحت ظلال العبودية والخنوع ، عشاق لا يتوقفون عن تمجيد وتعظيم أسيادهم وجلاديهم ، عشاق يخافون من الحرية والتحرر ويهربون منها ويعادون كل من يرفع رايتها ويدعوا إليها ، لأنهم يفتقدون للثقة في أنفسهم وذواتهم وقدراتهم ، ويفضلون العيش تحت كنف غيرهم حتى وان مارسوا ضدهم الظلم والطغيان ، بل إنهم يشعرون بالامتنان والشكر لهم ..!!


إنها ثقافة العبودية والإتكالية القائمة على الاعتماد على أصحاب النفوذ والجاه والسلطان ، لإدارة شئون حياة العبيد العاجزين والفاشلين بالطريقة التي يرونها مناسبة ، إنها ثقافة الذل والخضوع مقابل البقاء على قيد الحياة ، إنها ثقافة من لا طموح لديه بالعيش في هذه الحياة بعزة وكرامة ومساواة وعدالة ، إنها ثقافة مع القوي يا عون الله حتى وإن كان ظالما وطاغية ومستبداً ومتكبراً ومتجبراً ، انها ثقافة الشعور بالنقص والدونية ، وبسبب هذه الثقافة السلبية دفع دعاة الحرية والتحرر الفكري والسياسي الكثير من التضحيات ، وهم ينشدون للبشر الحرية والعزة والكرامة والمساواة ، وهم يقارعون الطغاة والمستبدين في كل زمان ومكان ، كل ذلك رغم أن التشريعات الدينية تدعوا البشر إلى العيش بعزة وكرامة ، وتؤكد بأن الانسان مخلوق مكرم كرمه الله تعالى . وليس من حق أحد أيا كان المساس بذلك التكريم الإلهي أو إنتقاصه بأي شكل من الأشكال حتى الإنسان نفسه ، قال تعالى (( ولقد كرمنا بني آدم )) ..!!


إلا أنه للأسف الشديد لم يتم الالتزام بتلك الأوامر والتشريعات الربانية العظيمة ، فهناك العديد من البشر أبوا إلا أن يفرطوا في حريتهم ويهدروا كرامتهم بأنفسهم ، ويقبلوا على أنفسهم الذل والهوان والعبودية ، كل ذلك نتاج ثقافة العبودية وعشق العبودية القائمة على تمجيد وتعظيم الطغاة ، والتلذذ بظلمهم وطغيانهم وبطشهم ، وهذه الثقافة هي أسوأ ثقافة عرفتها البشرية ، وهي الثقافة التي شوهت مسيرة البشر عبر الزمن ، وأفقدت العديد منهم الثقة في أنفسهم وطبعت على قلوبهم وشم العبودية المشئوم ، ليستمر مشهد الحياة القاتم بحضور لافت لفئة العبيد والخانعين في كل زمان ومكان الذين يسخرون وقتهم وجهدهم ، لنشر هذه الثقافة السلبية التي تتناقض مع الشرع والعقل والمنطق ، بل ويضحون بأنفسهم في سبيل تعميمها على بقية البشر ليكونوا عبيداً أمثالهم ، ما أتعس وأقبح العبيد في كل وقت وحين وهم يمجدون ويعظمون أسيادهم وجلاديهم ، وما أغباهم وأحمقهم وهم يهربون من نعمة الحرية والعزة والكرامة الإلهية ..!!