يحكى أن رجلا شاهد ذات مرة مقطعا عابرا عن مكر الثعالب مجرد دقيقة فضول لا أكثر.
لكن المنصات الرقمية لم تتعامل مع الأمر بوصفه فضولًا عابرا وإنما اعتبرته اهتمامًا عميقا يستحق الإغراق.
بدأت الخوارزميات تدفع إليه عشرات المقاطع المشابهة ثم مئات المقاطع، حتى وجد نفسه بعد أيام غارقا في عالم الثعالب يشاهدها، يقرأ عنها ويتتبع سلوكها بطريقة لم يكن يتخيلها يومًا.
الرجل لم يكن مولعا بالثعالب أصلًا، لكن التكرار صنع الشغف والإغراق ولّد الرغبة.
وذات يوم وبينما كان يسير في طريقه لمح ثعلبا حقيقيا قرب الطريق.
توقف مذهولًا نزل من سيارته واتجه نحوه مبتسما كما لو أنه التقى كائنا يعرفه منذ زمن.!
لكن الثعلب هرب.!
أما الرجل فقد عاد إلى منزله وأغلق هاتفه، وكأنه أدرك فجأة أن شيئا ما كان يعيد تشكيله من الداخل دون أن يشعر.
وهنا تتجلى الحقيقة المخيفة:
الخوارزمية لم تكتفِ بتحليل اهتمامه فقط بل بدأت بتوجيه سلوكه الواقعي وصناعة انفعالاته وقراراته اليومية.
وفي مثال آخر شاهدت سيدة مقطعا قصيرا لمباراة في كرة السلة الأمريكية.
دقيقة واحدة فقط كانت كافية لتقرر المنصة أنها "شغوفة" بهذا الفريق الرياضي.
فانهالت عليها المقاطع والتحليلات والمشاحنات الرياضية بصورة متواصلة حتى تحولت المتابعة العابرة إلى حالة من التعصب والانفعال وكراهية الفرق المنافسة بل وحتى كراهية مشجعيها رغم أنها لا تعرفهم ولا يعرفونها.!
هكذا تعمل الخوارزميات الحديثة.
إنها لا تعرض لك المحتوى فحسب بل تعيد تشكيل مزاجك، وتوجيه عواطفك، وصناعة أولوياتك ثم تدفعك تدريجيًا إلى العيش داخل دائرة مغلقة من الأفكار والانفعالات.
الخطر الحقيقي ليس في المقطع ذاته بل في "السجن الرقمي" الذي يُبنى حولك دون أن تراه.
فالمنصة لا تسألك: ماذا تحتاج؟
بل تسأل نفسها:
كيف نجعله يبقى أطول وقت ممكن؟
ولهذا فإنك إذا لم تكن واعيا ستتحول اهتماماتك ببطء إلى منتج تصنعه الخوارزمية لا شخصيتك الحقيقية.
هذه الأنظمة تعتمد على ما يسمى بـ "حلقات الدوبامين" إذ تراقب تفاعلك خلال أجزاء من الثانية ماذا أعجبك؟ ما الذي أوقف إصبعك أثناء التمرير؟ ما الذي أثار غضبك أو فضولك؟
ثم تبدأ ببناء عالم كامل حول تلك اللحظة العابرة.
إنها ليست اقتراحات بريئة كما نظن، بل عملية إعادة صياغة تدريجية للعقل والذوق والانفعال والسلوك.
لهذا نجد أنفسنا أحيانًا غارقين لساعات طويلة دون أن نشعر ثم نستيقظ فجأة على تشتت داخلي واضطراب في التركيز وتغير في المزاج، واستهلاك مرعب للعمر والوقت.
لقد أصبحت هذه المنصات رقيبا خفيا يعيش معنا ويراقبنا بصمت ويعرف عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا أحيانا.
فما العمل إذن؟
الحل أبسط مما نظن لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية.
شاهد ما ينفعك ثم توقف بإرادتك أنت لا بإرادة الخوارزمية.
لا تنجرف خلف المقاطع المقترحة بلا وعي ولا تمنح المنصة حق قيادة يومك ومشاعرك واهتماماتك.
كن أنت من يقرر ماذا يشاهد؟ ومتى يتوقف؟ وإلى أين يذهب وقته؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يضيع وقته فحسب بل أن يفقد قدرته على اختيار ما يستحق هذا الوقت.
قف قليلًا…
واسأل نفسك قبل المقطع التالي:
هل أنا الذي أختار؟
أم أن الخوارزمية اختارت عني؟
وبما أن العرب ليسوا أكثر الأمم عرضة لتلك المقاطع بل أكثر المستهلكين لها والمدمنين عليها فإن السؤال يبقى:
أكو عرب؟!