في اليمن، لا تُقاس الحقائق بما يُقال في المنابر، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية، وهنا تحديداً تتكشف المفارقة الكبرى .. الحوثي لم ينتصر لأنه الأقوى، بل لأنه وجد أمامه دولة ضعيفة، وشرعية متعبة، وقوى سياسية أنهكها الانقسام حتى فقدت قدرتها على الفعل.
الحوثي لم يأت من فراغ، ولم يفرض نفسه بقوة خارقة، بل تمدد في فراغ صنعه الآخرون، فراغ الدولة، فراغ المؤسسات، وفراغ القرار، حين تغيب الدولة الحقيقية، يتحول أي كيان منظم مهما كان فكره مرفوضاً إلى سلطة أمر واقع، وهذه هي القصة ببساطة .. ليس صعود الحوثي دليل قوته، بل دليل على عمق الخلل في الجهة المقابلة.
المجتمع اليمني، في جوهره، لا يؤمن بمشروع الحوثي، ولا يتماهى مع فكره، الناس هناك يعيشون تحت الضغط، لا القناعة، يصمتون لأنهم لا يرون بديلاً يُطمئن، يخشون التغيير ليس حبا في الواقع، بل خوفاً من الأسوأ، فالشرعية، التي كان يُفترض أن تكون ملاذاً، لم تنجح في تقديم نفسها كنموذج يُحتذى أو كدولة تستحق المخاطرة من أجلها.
وهنا تتجلى المأساة الحقيقية، لم يخسر اليمن معركة التحرير في الجبهات فقط، بل خسرها في الوعي، حين يفقد المواطن ثقته بالبديل، تتجمد إرادته، ويصبح التغيير عبئاً بدل أن يكون أملاً، لا أحد يغامر بحياته من أجل سلطة لا تشبه الدولة، ولا من أجل مشاريع متنازعة لا تلتقي على هدف واحد.
تفكك القوى السياسية كان السهم الأكثر ألم في جسد اليمن، تعدد الولاءات، تضارب المصالح، والانقسام بين شمالي وجنوبي، وانتقالي وشرعي .. كلها لم تكن مجرد خلافات سياسية، بل تحولت إلى جدران عازلة عطلت أي مشروع وطني جامع، ومع كل انقسام جديد، كان الحوثي يكسب مساحة إضافية دون أن يطلق رصاصة واحدة.
أما غياب المؤسسات، فهو الجرح الذي لم يلتئم، فالدولة ليست أسماءً في المناصب، بل نظام يعمل، وعدالة تُطبق، وخدمات تُقدم، وعندما تغيب هذه الأسس، تصبح الشرعية مجرد عنوان هش، لا يقنع مواطناً ولا يبني وطناً، الناس لا تريد خطابات، بل تريد دولة تُرى وتُلمس.
حتى التحالف، الذي شكل يوماً فرصة تاريخية لإعادة التوازن، لم يسلم من عبث الداخل، كان الأمل كبيراً، وكانت لحظة الحسم قريبة، لكن الحسابات الضيقة، وخيانات بعض الأطراف التي لم تضع الوطن في أولوياتها، أجهضت تلك اللحظة، ضاعت فرصة كانت كفيلة بتغيير المسار، لا بسبب العدو، بل بسبب من يفترض أنهم في صف الدولة.
ورغم هذا المشهد المعقد، فإن الحقيقة الأهم لا تزال واضحة، الحل ليس مستحيلاً، اليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة، ولا إلى مزيد من الجبهات المفتوحة، ما يحتاجه ببساطة هو استعادة معنى الدولة، أن يشعر المواطن أن هناك حكومة قوية، عادلة، ونظيفة، حكومة لا تُفرق بين شمال وجنوب، ولا بين قبيلة وأخرى، بل ترى الجميع تحت مظلة وطن واحد.
لا يهم من يحكم، ولا اسمه، ولا انتماؤه، ما يهم هو أن يحكم بمنطق الدولة، لا بمنطق الجماعة، أن تُبنى مؤسسات حقيقية، قادرة على فرض النظام، وحماية الحقوق، وإعادة الثقة، فحين تقوم الدولة، يسقط كل مشروع قائم على الفوضى تلقائياً.
وحين يرى اليمني نموذجاً صادقاً للدولة، لن يحتاج أحد أن يدعوه للثورة، سيخرج بنفسه، مدفوعاً بالأمل لا بالخوف، لأن الشعوب لا تتحرك فقط عندما تضيق بها الحياة، بل عندما ترى أمامها مستقبلا يستحق أن تُقاتل من أجله.
الحوثي ليس أقوى مما يبدو .. لكنه استفاد من ضعف الآخرين، وعندما تستعيد الدولة قوتها، سيتغير كل شيء، ليس بالسلاح، بل بالثقة، وليس بالحرب، بل ببناء وطن يشبه أبناءه.