آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-10:05م

إيران "تُخصّب اليورانيوم" وواشنطن "تُخصّب الأوهام"..

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 06:05 م
د. سلطان مشعل

في أحدث تقييماتها أفادت International Atomic Energy Agency أن إيران راكمت مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة تقترب من مستوى الاستخدام العسكري دون بلوغه، في الوقت الذي تواصل فيه توسيع قدراتها التقنية والبنية التحتية لعمليات التخصيب.

وفي موازاة ذلك، عادت المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران التي تُدار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين بشكل متقطع، في ظل توترات مستمرة في أنحاء الشرق الأوسط.

في هذا السياق، تواجه واشنطن إغراء مألوفا مفاده تفسير استئناف المحادثات باعتباره تقدما بحد ذاته.

لكن ذلك ليس صحيحا.

على مدى عقود، تذبذبت السياسة الأمريكية تجاه إيران بين الضغط والانفتاح، والعقوبات والتفاوض، والتصعيد والتهدئة. وقد أنتجت كل دورة لحظات من التفاؤل الحذر إشارات إلى أن الدبلوماسية قد تنجح حيث فشل الصدام. ومع ذلك، بقيت الحقيقة البنيوية ثابتة: إيران تتقدم، والمنطقة تتقلب، والدبلوماسية تكافح لمواكبة الواقع.

المشكلة ليست في أن الولايات المتحدة تتحاور مع إيران. المشكلة في ما يُتوقع من هذه الحوارات أن تحققه وما لم تُصمم أصلا لتحقيقه.

في المفهوم النظري، تحمل الدبلوماسية وعدا ضمنيا بأن

الحوار يمكن أن يقلل المخاطر، ويُوضح النوايا، ويفتح مسارات للحل، لكن بشكل عملي، غالبا ما تعكس الاجتماعات الواقع القائم أكثر مما تُعيد تشكيله. فهي تنجح عندما تكون جزءا من إطار استراتيجي متماسك، وتفشل عندما يُطلب منها أن تحلّ محل هذا الإطار.


تجدر الإشارة إلى أن التاريخ الأمريكي يقدم

أمثلة على الحالتين.

الأولى:

لقاء الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت بالملك عبدالعزيز عام (1945) م لم يكن اللقاء مجرد إشارة إلى الانفتاح، بل أسس لتفاهم استراتيجي مستدام الأمن مقابل استقرار إمدادات الطاقة ساهم في تشكيل النظام الإقليمي لعقود.

الثانية:

لقاء عام (1985) م بين الرئيس رونالد ريغان والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في ريكيافيك، رغم أنه لم يُفضِ إلى اتفاق مباشر، إلا أنه كشف عن تحول في التصور الاستراتيجي ساهم في إنهاء الحرب الباردة.

في كلا المثالين، لم تكن أهمية اللقاء في حدثيته، بل في كونه تعبيرًا عن تحول أعمق كان يتشكل بالفعل.

أما مع إيران، فالنمط مختلف.

المفاوضات كانت متقطعة معقدة تقنيا، هشة سياسيا، وعرضة للتراجع المتكرر. تم التوصل إلى اتفاقات، لكنها لم تستمر. تحقق تقدم، لكنه لم يُترجم إلى استقرار.

فكل دورة تفاوضية حملت في داخلها بذور هشاشتها، بفعل السياسة الداخلية في واشنطن وطهران، بقدر ما تعود إلى مضمون التفاوض نفسه.

وفي الوقت نفسه، استمرت الديناميكيات الأساسية في التطور.

فقد تقدم البرنامج النووي الإيراني بشكل تدريجي من حيث القدرة والتعقيد.

إن التخصيب عند مستوى 60%، مع تراكم مئات الكيلوغرامات من المادة عند هذا المستوى، يضع البرنامج على مسافة تقنية قصيرة من العتبة العسكرية. وبالتوازي، عززت التوترات الإقليمية من المواجهات البحرية إلى الصراعات بالوكالة لتنتج حالة عدم الاستقرار الاستراتيجي التي تتجاوز الملف النووي نفسه.


في مثل هذا السياق، يمكن بسهولة تفسير العودة إلى المفاوضات باعتبارها تهدئة. فهي توحي بالانضباط، وتخلق مساحة دبلوماسية، وتشتري الوقت.

لكن الوقت في هذا السياق ليس محايدًا.

وهل كل تأخير في الحسم يحمل نتائج استراتيجية؟

إن كان كذلك فهو يسمح بتراكم القدرات، وتصلب المواقف، وتغير التوقعات لدى جميع الأطراف. والدبلوماسية التي لا تستند إلى هدف نهائي واضح تتحول إلى حالة إدارة مؤقتة تُبقي على مظهر الاستقرار دون تغيير مساره.

وهنا يكمن التحدي المركزي أمام الولايات المتحدة اليوم.

ما هو الهدف من الانخراط مع إيران؟ هل هو تحديد سقف للتخصيب؟

أم تقليص القدرات النووية؟

أم احتواء النفوذ الإقليمي؟

أم مجرد منع التصعيد الفوري؟

مع العلم أن كل إجابة من هذه الإجابات تفرض استراتيجية مختلفة، وحدودا مختلفة للتنازل، وتعريفًا مختلفا للنجاح.

من دون هذا الوضوح، تصبح المفاوضات ردّ فعل على الأحداث بدلًا من أن تكون موجهة لها.

ولا شك أن هناك حجة قوية لاستمرار الحوار. ففي بيئة إقليمية مضطربة، يقلل التواصل من خطر سوء التقدير، ويوفر قنوات لإدارة الأزمات، ويسمح بتفاهمات تقنية تدريجية حتى في ظل غياب اتفاق سياسي شامل.

لكن هذه أدوات استقرار، وليست نتائج استراتيجية.

الخطر ليس في أن الولايات المتحدة تتحاور مع إيران، بل في أن يتحول الحوار إلى استراتيجية بحد ذاته.

هذه النقطة جوهرية، لأن الدبلوماسية في أصلها ليست اجتماعات، بل هي بنية، وأدوات ضغط، واتجاه واضح. فالاجتماعات وسائل ضرورية، لكنها غير كافية لتحديد المسارات.

أما التاريخ واضح في هذا الصدد حيث الحاصل أن اللقاءات بين الخصوم تُنتج تغييرًا دائمًا فقط عندما تعكس تقاطع مصالح أو تحولًا في الفرضيات الأساسية. وعندما تغيب هذه الشروط، قد تستمر اللقاءات، لكن تأثيرها يبقى محدودًا وقابلاً للعكس.


وفي الحالة الإيرانية، لا تزال الفجوة بين الانخراط والحل واسعة.

ومع نظر واشنطن إلى خطواتها المقبلة سواء عبر محادثات غير مباشرة أو وساطات إقليمية أو أطر تفاوضية جديدة فإن الضرورة ليست في تجنب الدبلوماسية، بل في ضبطها تحديد معنى النجاح، وربط الوسائل بالأهداف، والاعتراف بحدود العملية حين تنفصل عن الاستراتيجية.

لأن تخصيب اليورانيوم، في النهاية، يسير وفق مسار قابل للقياس.

وكذلك الأوهام.

والخطر على السياسة الأمريكية ليس فقط أن إيران تواصل التخصيب.

بل أن واشنطن، في غياب وضوح استراتيجي، قد تفعل الشيء ذاته—تُخصّب توقعات لا تستطيع الدبلوماسية وحدها تحقيقها.


ويبقى السؤال الأهم:

أكو عرب؟!