آخر تحديث :الأربعاء-22 أبريل 2026-03:45م

تبّتْ يدَ إيرانَ ... تبّت يدَ الحُبِّ

الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - الساعة 05:39 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب



مِن ذاكرتي يطلّ عليّ وإليكم صوت " الفقيه....." إجلالًا له لا أصفه بذلك الوصف المتداول لبياض في إحدى عينيه ونتوء، في سيلة الشيخ عثمان جامع الهدى؛ رحمه الله أستاذي الأول أذكره ودرج المعلامة/ الكُتَّاب... وطفل رضيع بين يديه يغسله بوقار ويكفّنه!


"تبّت يدَ أبيْ..." كُنّا صغاراً نردّد خلفه جماعة سورة المسد، نقفُ عند "أبي"، ثم ينساب صوته ممدوداً: "لهبٍ وتبّ". يومها لم نكن ندرك أن تلك الوقفة تخالف ما استقرّ في كتب التجويد والقراءات... لكننا كنّا نحسّ أن للآيات روحاً تتشكّل في الصوت، وأن التلاوة ليست نقلاً فحسب، بل إيقاعٌ يعيد بناء المعنى في الوجدان.


هذه التجربة المبكرة تكشف أن النص القرآني في الثقافة الشعبية ليس بنيةً صامتة، بل كائن حيّ، يدخل في تفاصيل الحياة اليومية، ويكتسب من الأداء الشفهي ظلالاً جديدة. غير أن هذا الامتزاج بين المقدّس واليومي يزداد تعقيداً حين يعبر إلى فضاء الشعر والغناء، حينها تتسع حرية التخييل، ويضيق هامش التسليم.


في هذا السياق، يجيء بيت عبد الله البردوني في أغنية من خشب:


لأن أبا لهبٍ لم يمت…


وكلُّ الذي مات ضوء اللهب"


وكم يقولون لي في تونس وهم شايخين "عاوده!" عاوده. أي أعد بيت البردوني السابق إعحابًا وانبهارًا.


ويأتي ليُحرّك سؤالاً قديماً متجدّداً: هل يظلّ الرمز القرآني أسير دلالته العقدية، أم يحقّ للشاعر أن يعيد صياغته بوصفه علامة إنسانية مفتوحة؟ فالسيرة تحفظ لنا وجهاً تاريخياً سلبيًّا لشخصية أبي لهب وزوجته أم جميل " حمّالة الحطب"، إنما الشعر لا يلتزم بالتاريخ، بل يشتغل على الرمز، وعلى ما يختزنه من طاقةٍ دلالية تتجاوز زمنه الأول.


وتتجلّى هذه المسألة بوضوح أكبر في الأغنية الحديثة، إذ يتخفّف النص من صرامة البناء الشعري، ويقترب من وجدان الجمهور. في أغنية "الحب هو السبب" التي كتبها الحضراني قبل عقدين ولحّنها وغنّاها ابن الأخفش، نسمع صدى واضحاً لسورة المسد في قوله:


"تبّت يدَا الحب يا قلبي وتبّ".


إنْ مُتُّ يا قومِ فالحبّ السبب


قد دَامَني دَوم ورَّاني العجب


تبَّت يدا الحب يا قلبي وتبّ


وويله الويل من ودَّف وحب


الحب كالحرب بل أكثر دمار


فيه ضرب بالقلب فيها ضرب نار


هنا يتحوّل الدعاء على شخصٍ بعينه إلى استعارة عن تجربة عاطفية قاسية. والنص القرآني يُستدعى بوصفه طاقة لغوية مكثّفة تُشحن بها العبارة الغنائية. غير أن هذا التحويل يثير إشكالاً لا يمكن تجاهله:


متى يكون التضمين إبداعاً، ومتى ينقلب إلى مساسٍ بهيبة النص؟


حقيقة لم يكن غريباً أن يختلف العلماء في حكم الاقتباس. فقد كرّهه أبو بكر الباقلّاني، احتياطاً لجلال القرآن، بينما أجازه غيره بشروطٍ تضبطه. وأقرب الآراء إلى الاعتدال ما اشترط ثلاثة أمور: أن يكون السياق لائقاً، وأن يبقى المعنى منسجماً مع مقاصد النص، وأن يكون القصد خالياً من العبث أو الاستهزاء. فالقرآن، بما يمتاز به من إعجازٍ بياني، يعلو على أن يُجعل مجرّد أداةٍ زخرفية في الكلام.


وفي أيامنا هذه، تجدد الجدل مع ما أثارته أنشودة مشاري العفاسي التي جاء فيها "تبت يد إيران".


فقد انقسم الناس بين من رأى في ذلك توظيفاً سياسياً مشروعاً للغة القرآنية، ومن اعتبره إخراجاً للنص من سياقه التعبدي إلى سجالٍ آنيّ. وهنا يتداخل الأدب بالسياسة، وتبرز إشكالية أخرى: هل يجوز أن يُستدعى النص المقدّس في معارك الواقع، أم أن ذلك يعرّضه لخطر التوظيف العابر؟


عرف الشعر العربي الحديث نماذج متعددة لهذا التداخل. فـمحمود درويش في "أنا يوسف يا أبي" استعاد القصة القرآنية ليعبّر عن محنة الإنسان المعاصر، ثم جاء مارسيل خليفة فغنّى النص، فانفتح باب جدلٍ واسع حول مشروعية نقل الرمز القرآني إلى فضاء الغناء. أما أدونيس فقد تجاوز الاقتباس إلى محاكاة البنية الأسلوبية ذاتها، بينما اكتفى نزار قباني بإدخال تعبيرات قرآنية في سياق غزلي، فخفّف من وطأة التناص، لكنه لم يسلم من النقد.


ومع التحولات الرقمية، لم يعد النص محصوراً في كتاب أو قصيدة، بل صار عرضةً لإعادة التشكيل في مقاطع موسيقية ومنصات ترفيهية، الأمر الذي أعاد طرح السؤال بصيغة أشد إلحاحاً: كيف نصون قداسة النص في زمن الاستهلاك السريع؟


على مستوى أعمق، يظهر هذا في شعر إبراهيم طلحة بشكل ظاهر عن غيره من الشعراء في اليمن حيث يقوم على تداخل جمالي بين الغزل والتناص القرآني، إذ يستحضر الشاعر عبارة "إذا الشمس كُوِّرَت" من سورة التكوير ليمنح الصورة بعدًا كونيًا هائلًا؛ فالمحبوبة لا تُشبَّه بالشمس فقط، بل تُربط بلحظة انهيار النظام الكوني، مما يضخم أثر حضورها في نفس الشاعر. هذا التضمين ليس اقتباسًا سطحيًا، بل إعادة توظيف دلالي: فبدل أن تكون الشمس رمز النهاية، تصبح رمز الانبهار والدهشة العاطفية، وكأن العالم الداخلي للشاعر يهتز كما يهتز الكون في الآية


مُنَوِّرَةٌ مِنْ نُوْرِهَا الأرْضُ نُوِّرَتْ


وكالشَّمْسِ، يا وَيْلِيْ "إِذَا الْشَّمْسُ كُوِّرَتْ"


إِذَا مَا اسْتَدَارَتْ وَهْيَ تَمْشِيْ أُحِسُّ فِي

قَرارَةِ نَفْسِيْ نِصْفَ دُنْيَايَ دُوِّرَتْ


وَتَخْتَالُ فِي أبْهَى وأحسَنِ صُوْرَةٍ


فَسُبْحانَكَ اللهُمَّ كالْحُوْرِ صُوِّرَتْ


وَصُورَتُها ما عَالَجَتْها بِفلْتَرٍ


ولا بِالذَّكاءِ الاصْطِنَاعِيِّ طُوِّرَتْ


كذلِكَ تَبْدُوْ فِي الهُوِيَّةِ حلْوَةً


فَمَنْ غِرْنَ يَزْعُمْنَ الهُوِيّةَ زُوِّرَتْ


ومَا زُوِّرَتْ كَلَّا ولَكِنَّ حُلْوتي


بِسُوْرَةِ إِبْرَاهِيْمَ حِيْطَتْ وَسُوِّرَتْ


نرى كيف يلتقي الغزل بالاقتباس، ويتجاور الخاص والعام، لتتشكل هوية لغوية تستمد قوتها من التراث دون أن تنغلق عليه. هنا لا يكون النص القرآني عبئاً، بل مرجعاً يثري التجربة ويمنحها عمقاً.


في المحصلة، ليس الاقتباس من القرآن مسألة شكلية، بل قضية تمسّ جوهر العلاقة بين الأدب والمقدّس. فالنص القرآني يظلّ في مقام العلو، وكل اقترابٍ منه ينبغي أن يكون بقدرٍ من الوعي والمسؤولية. وبين حرية الإبداع وحرمة النص، يبقى التوازن ممكناً ما دام القصد سليماً، والسياق لائقاً، واللغة أمينةً على ما تحمل.



مجيب الرحمن الوصابي