تمر المنطقة العربية والإسلامية بمنعطف هو الأخطر في تاريخها الحديث، حيث تطل "استراتيجية التدمير بالتقسيط" برأسها من جديد.
فبعد أن استُبيح العراق، وتمزق اليمن، وتهاوت حصون وقوى إقليمية واحدة تلو الأخرى، يتجه المشهد اليوم نحو إيران.
وبين مشاعر "الثأر" السياسي و"المرارات" التاريخية، يبرز سؤال وجودي يتجاوز الحسابات الضيقة: ماذا سيبقى من المنطقة إذا سقطت إيران؟
*فخ "الثأر" وعمى البصيرة*
من السهل أن تدفع الخلافات السياسية العميقة البعض للتمني بكسر شوكة إيران، خاصة بالنظر إلى مواقفها السابقة، وتحديداً "انتهازيتها" السياسية إبان غزو العراق. لكن الحكمة السياسية والمسؤولية القومية تقتضي ألا نعامل الخصم بانتهازية مماثلة تقودنا جميعاً إلى الهاوية.
إن الموقف المبدئي يحتم علينا النظر إلى إيران كدولة مسلمة وشعب مسلم، وفي نهاية المطاف، الشعوب هي من تدفع فاتورة الحروب دماً وخراباً.
إن تمني الدمار لإيران ليس "نكاية" في نظامها، بل هو انتحار استراتيجي يفتح الباب أمام كارثة ستحل بالأمة كلها.
*نظرية "الخليفة المتوج"*
لقد أصاب المفكر فهمي هويدي كبد الحقيقة حين حذر من أن تدمير إيران يعني تحويل نتنياهو إلى "خليفة" غير معلن على شعوب المنطقة، والملك المتوج الذي لا راد لقضائه.
"إذا هُزمت إيران، سيصبح بنيامين نتنياهو الآمر والناهي فوق جراح العرب، وسيبقى العدو الإسرائيلي مطلق العنان، يضرب من يشاء وقتما يشاء، دون أن يجرؤ أحد على رفع لواء الاعتراض."
إن الحفاظ على إيران قوية – رغم كل الخلافات معها – يمثل مصلحة استراتيجية لمنع "الاستئساد"الإسرائيلي.
فالتوازن الإقليمي، وإن كان هشاً هو ما يحمي بقية العواصم العربية من أن تصبح مجرد محطات في مشروع التوسع الصهيوني.
ان المستقبل أهم من تصفية الحسابات
ولا يمكن لعاقل أن يبني مستقبلاً وهو يحدق في مرآة الماضي فقط.
إن محاسبة إيران على أخطائها السابقة حق سياسي، لكن السماح بتدميرها كلياً هو خطيئة استراتيجية..
والاستراتيجية الحكيمة تقتضي:
*تغليب المصلحة الكلية للأمة* على الرغبات الانتقامية المحدودة.
*إدراك أن العدو الحقيقي* لا يسعى لتحطيم طرف لحساب طرف، بل يسعى لتحطيم الجميع ليبقى هو الوحيد في الساحة.
*حماية الشعوب المسلمة* من ويلات الحروب التي لا تبقي ولا تذر.
*خلاصة القول.*
إن الحفاظ على تماسك القوى الإقليمية في وجه التغول الصهيوني هو صمام الأمان الأخير. وإذا كان الماضي مليئاً بالعثرات والانتهازية، فإن المستقبل يتطلب وعياً يتجاوز "الوعود العرقوبية" والمواقف الانفعالية.
لا أحد يتمنى أن يرى اليوم الذي يُحكم فيه العرب من "تلال تل أبيب"، والطريق الوحيد لتجنب ذلك هو ألا نسهم في هدم الجدران التي، وإن اختلفنا مع بانيها، لا تزال تحجب عنا ريح السموم.