آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-03:15م

ترنيمة بلا روح.

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 09:00 ص
صفوان القاضي

بقلم: صفوان القاضي
- ارشيف الكاتب


يحدث في مثل مساءٍ كهذا، أن تنتشئ من لحن أُغنيةٍ لفيروز، فيُسرى بكَ معها نحو السماء. هكذا تتمايل بالانسجام منخرطًا في التفاصيل، مع كل قرعة وتر، وصولًا حدّ الثمل. في هذا العراء الفسيح تحديدًا، حيث تُداعب النسمات موجات الهواء العليل، ويتهيأ للعناق ألف مغزى، فتتنفس أنت بصعوبة. يحدث هكذا وأنت تُراقب حركة الكون بأطواره الشتّى، تُحدِّق يَمنةً ويَسرة، وتهذي مندهشًا لهندسة هذا الكون البديع بإحكام. فيُخيَّل إليك وكأنّ هذا الكون كله، واقعٌ في حضن فاتنة.

ومن ثم تعود بنفس الدفء، من أقصى المجرة، مُبادرًا صوب قراءة قصيدةٍ "لأبو العتاهية" وأخرى "لنازك الملائكة" فتغوص مندثرًا في هذا الخواء، لتقتني من جزالة اللغة، ما يكفيك عن عناق حبيبة، ويملأ سد الفراغ الشاغر بالحب.

بينما وأنت تتقفّز بين السطور، فتمرق من كل شطرٍ شذرة، فتتضوَّر لتجوع أكثر، وتركض نحو روايةٍ باسم "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي" فتغدِق في تفاصيلها ولا تكتفي، وتستدير لأبجدية "محمود درويش" ولم يسد رمق جوعك ما دوّنه في مؤلفاته، فيصفعك الحنين ذاهبًا إلى فلسفية "سيوران" ومن ثم إلى مجون "أبو نواس" وصولًا إلى شاعرية "قيس الملوح" مجنون ليلى، ومتشبثًا بغزارة، في أوج "المتنبي" فتتوقف هُنيهة، لتأخذك الخيبة أخيرًا بِسذاجة هذا العصر، حيث يقتات الأدب، من فتات اللغة، ويتجشأ من هشاشة اللفظ، تاركًا الأصل. فيبدو لك وكأن الذوق تلطَّخ بالوحل، وفقد المعنى.

لا يوجد ما يشدّك هنا للخوض في معركة الكلمات، وفلسفة البلاغة، بتراجيديا الحاضر، كترنيمةٍ للحزن مثلاً، كادت أن تُفجر بركانًا لتحشيد الكتابة. بالمقابل ثمّة واقع يعج بأصوات النشاز، وضحالة الفكر، ويتضائل بأهمية المعارف، فيخسر اللب، ويتمسك بالقشور، من سطحية الانحدار.

وفي لحظة تواتر القلق وأنت تتابع هذا التراجع المنحط، خطوةٌ بخطوة؛ وتنهمك بشراهة مبررًا ولولة التدليس، إزاء المادة، إلا أنكَ تدرك جيدًا بأن الساحة أصبحت فارغة تمامًا من رواد الأدب، في تاريخنا المعاصر! وكل ما تكتظ به دور النشر، ومنصات التواصل، ومواقع الصحف والمجلات، كان مُجملهُ "تطبيل" وهُراءً دون قيمة، وهرطقات ساسة. كُلٌ يُجيّش شتائمه ضد الآخر، وكُلٌ مُبتغاه الانتصار على الآخر.

وفجأة تشعر بالمغص ولا تكاد تتقيأ، وأنت تتصفح هذا كله، فتطلق تنهيدة من القاع الداخل، وتذهب في منحى تاركًا ذا وذاك ككل. فتمد ساقيك وتستلقي ظهرًا، وتنصت لعواء الكلاب، بالطرف الآخر، فيُخيّل إليك بأن أسطورة الإبداع مُنِحت لبُحّة حناجرهم، دون مجال للمقارنة.

ترتاب ويمزقك اللاجديد، وأنت عالقًا على نفس المنوال، تارةً تصب جمّ غضبك على قادة الحرب، وتصدح أخرى بوابل اللعنات على قذارته وتقول: إنه قاتل الإنسانية، ولا بأس بذلك. فهو معتادًا، لا لأول وهلة يبدو ملحوظًا، وما علينا إلا أن نتعقب النهاية.

ومن ثم تعود لرقصة المساء، وشدو فيروز، وتخرس بهكذا فضفضة، فقط لتنغمس كليًا هناك، حيث يتأطَّر النغم ويتسلل بغزارته إلى الأعماق، يحمل ألقًا ومشاعرٌ تشبه الضوء، في دهاليز العُتمة. فعندما يغدو الليل سرمديٌ والموسيقى هادئة، بصوتٍ ناعم، عندها فقط يُعتقل العالم بأسره، وينتصر الحب حتمًا.