سيبقى المقعد الدراسي فارغًا، لأن إبراهيم لم يعد موجودًا. وسيستمر الحزن مخيمًا على كل زملائه في المدرسة، ويملأ المكان وأرجاء المدينة التي فقدت ابنها للتو. إبراهيم ليس مجرد رقم يُضاف إلى أعداد الضحايا في المدينة المكلومة التي اعتادت على مشاهد الوداع، وهي تودع كل يوم شهداء جدد تقتلهم رصاص القناصة، دون أن تفرق بين رجل وامرأة، وشيخ طاعن في السن وطفل صغير في طريق عودته من المدرسة. الكل في مرمى نيران الحوثي القاتل الذي لا يشبع، والمتربص بالجميع، يتغذى بدماء الأبرياء ويواصل جرائمه كل يوم.
وهو نفسه الذي وجه فوهات المدافع والدبابات صوب منازل ساكني مدينة تعز، وهدمها فوق رؤوس ساكنيها. أسر كاملة قُتلت ودُفنت في أنقاض المنازل المنهارة والمتساقطة بفعل القصف المتوحش، من قبل الميليشيات الحوثية. وهي نفسها من فجّرت المنازل ودور العبادة، وزرعت الألغام في الحقول والمزارع والطرقات، واختطفت المارة من الطرقات والشوارع. وهي ذاتها من تحاصر المدينة الحالمة بالفجر، منذ عقد كامل من الزمن، وتمنع عنها الماء والغذاء وقارورة الدواء. وهي نفسها إيضا من تضيف اليوم جريمة جديدة لسجلات جرائمها الممتلئة، كي تقدم قصة أخرى للمأساة التي تعيشها اليمن في ظل ميليشيات تمارس القتل بالهواية والهوية.
البارحه، نامت تعز على فاجعة جديدة، هي الأكثر فظاعة في قصة مدينة لا تزال تواجه الموت القادم من كل مكان بتحدٍ كبير. ترفض الانكسار والهزيمة، وتقاوم الحصار برغبة الحياة والحب والأمل، وهي تحاول أن تلملم الجراح. لكن اليوم ليس ككل الأيام؛ حزن عميق يغطي اسوار المدينة العتيقة ويتسرب عبر نوافذ المنازل الشاحبة بفعل رحيل إبراهيم، طفل المدينة الصغير، في حصته الأخيرة، تاركًا خلفه مقعدًا فارغًا في المدرسة لن يجلس عليه أحد وسريرًا لن ينام فيه بعد الأن، وقلب أم محطم فقدت صغيرها في جريمة بشعة،
تصرخ في منادته فلا مجيب غير صدى صوته المتردد في ثنايا المنزل الموحش بفقدان الرحيل،
وبينما كانت منى محمد سعيد تنتظر عودة طفليها الصغيرين : إبراهيم وأخته إلى المنزل الذي نزحوا إليه قرب منطقة التماس في كمب الروس، مثلما تفعل كل يوم . عادت البنت دون أخيها الذي اغتاله قناص حوثي في واحدة من أبشع الجرائم، التي تركت قلبًا ممزقًا لأم فقدت طفلها ، وجراحًا لا تندمل إلا بالقصاص من القتلة. تقاسمها الوجع الأخت التي عادت هذه المرة بمفردها
دون أخيها الذي سقط أمام عينيها مضرجًا بدمائه التي كتبت فصلا جديدا من فصول الجرائم التي لا تتوقف عنوانها مأساة تعز المستمرة وواقع أم ستظل في انتظار عودة ابنها الذي لن يعود وفتاة عاشت تفاصيل الجريمة المروعة التي لن تفارق مخيلتها وألم سوف يسكن أعماقها وسيكبر معها حتى يصبح أشجار، وغدا ستجد نفسها تمر من نفس الطريق الذي مشته معه الى المدرسة وسوف تسألها عنه الأماكن التي مرت فيها برفقته وهي الاخرى ستشتاق اليه .. فلا مجيب عن كل تلك الأسئلة سوى اهات الدموع وسط بركان غضب المدينة التي تودع الشهداء كل يوم، وأمهات تواصل الحزن والبكاء على فقدان اطفالها وحلم لطالما شاركته منى مع ابنها إبراهيم بالمستقبل الذي يغير واقع حياتهم. كانت تراقب الحلم مع كل صباح يذهب إبراهيم إلى المدرسة، لكنه هذا المساء لم يعد. لقد رحل، وبقي الحلم المؤجل حتى موعد القصاص.